أبوبكر فرج الشكري : محمد جعودة ـ حكمدار الحرس الملكي … يودع الدنيا في أشرف بقاعها.

صورة شخصية  ابوبكر فرج الشكري

هناك في أشرف بقاع الدنيا وأطهرها إلى جوار بيت الله الحرام قُدِّر لذلك الرجل الطيب المبارك أن يودع الدنيا وأن تكون استراحته الأبدية في ثرى ذلك البلد الطيب المبارك عن عمر يناهز التسعين عاماً ، فقد ولد محمد مرسال عبد الله جعودة ، بحي المهاجرين بالإسكندرية عام 1922 م ،حيث كان والده أحد المجاهدين ضد الغزو الايطالي لبلادنا وكان يقوم بنقل الأسلحة والإمدادات وتهريبها عبر الحدود من مصر إلى ليبيا وتسليمها للمجاهدين ثم استقربه المقام في مصر مهاجراً .

درس محمد بالكـُتِّاب على يد الشيخ الأزهري مفتاح الفيتوري ـ زوج خالته ـ وعند تأسيس الجيش السنوسي (جيش التحرير) في 9 أغسطس 1940 وبدعوة من الأمير إدريس السنوسي وكذلك عمه السيد على جعودة ، انضم محمد جعودة وشقيقه عبد الحميد إلى ذلك الجيش وكان رقم محمد في الجيش السنوسي هو 126 ، حيث تلقى عدة دورات تأهيلية وتخصصية كما تلقى دورات خاصة في مصر وبريطانيا و شارك في العمليات التي قام بها ذلك الجيش إلى جانب قوات الحلفاء ضد القوات الايطالية و الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية إلى أن تم إخراج القوات الايطالية من الأراضي الليبية ، وقد مُنح محمد جعودة وسام الملكة فيكتوريا الذي تمنحه ملكة بريطانيا لكل من اشترك في الحرب مع الحلفاء كما منحه الملك إدريس السنوسي ميدالية التحرير في 24 ديسمبر 1957 .

صورة محمد جعودة

العقيد محمد جعودة

بعد التحرير وحل الجيش السنوسي وإنشاء قوة دفاع برقة تم ضم عدد من ضباط وأفراد الجيش السنوسي لهذه القوة وكان السيد محمد جعودة من بين أولئك الذين تم ضمهم لقوة دفاع برقة. وقد تدرج في الرتب و تنقل في عمله بين بنغازي ودرنة والقبة وطبرق.

في عام 1960 تم تعيينه نائباً لحكمدار الحرس الملكي بالمنطقة الشرقية ثم أصبح حكمداراً للحرس الملكي خلفاً للعقيد مفتاح التريكي وظل العقيد محمد جعودة حكمداراً للحرس الملكي بالمنطقة الشرقية إلي قيام الانقلاب المشؤوم في الأول من سبتمبر 1969 حيث تم اعتقاله إلى جانب ضباط الجيش والبوليس وكبار المسؤولين بالدولة الذين تم اعتقالهم .

مكث العقيد محمد جعودة في سجن الكويفية خمسة أشهر ثم أفرج عنه ووضع تحت الإقامة الجبرية لعدة سنوات حيث لم يسمح له بمغادرة مدينة طبرق وسحب منه جواز سفره.

ظل محمد جعودة مقيما بطبرق وعانى ما عاناه أكثر الليبيين من ظلم واستبداد عصابة الانقلاب المشؤوم حيث نهبت أملاكه الخاصة التي بناها بماله وجهده – برغم أنها لم تكن بالحجم الكبير- كما تعرض هذا الرجل لابتلاءات أخرى منها فقده لاثنين من أولاده في حوادث سير وقد كانا معروفين بنشاطاتهما الاجتماعية وكانا عضوين بالحركة الكشفية حيث توفي الأول (محسن ) عام 1975 والثاني (توفيق ) الذي كان مهندساً بشركة الخليج توفي عام 1993 كما اعتقل ابنه الأصغر ( رضا) عام 1996 ولم يره منذ ذلك الحين ، حيث كان- بعد أشهر قليلة من اعتقاله – أحد ضحايا مجزرة سجن أبي سليم الدامية ، ثم توفيت بعد ذلك أم أولاده، لكن من يعرفونه عن قرب يقولون أن جُرح محمد جعودة الأكبر الذي كان يؤلمه أشد الألم تمثل في فراقه للملك إدريس السنوسي رحمة ُالله عليه إلا أنه برغم ذلك كله ورغم ما يعانيه ويراه من الظلم والاستبداد في عهد الانقلاب البغيض ـ ظل يواجه هذه المحن والابتلاءات بقلب المؤمن الصابر المحتسب الراضي بقضاء الله وقدره وكان كل من يراه لا يرى سوي الابتسامة تعلوا محياه .

عرف أغلب سكان مدينة طبرق محمد جعودة في أغلب سنوات عمره فكان هو هو كما عرفوه حيث ما كان ضابطا أو حكمداراً للحرس الملكي لا يعرف التكبر أو الغرور إطلاقاً بل كان الإنسان الطيب دمثُ الأخلاق المتواضع البشوش الكريم ومما يُعرف عنه – على سبيل المثال – عندما كان حكمداراً للحرس الملكي إنه عند مروره بسيارته يتوقف إذا رأي قطعة خبز ملقاة على الطريق وينزل ويضعها بعيدا عن قارعة الطريق احتراماً للنعمة وتأدباً مع المنعم سبحانه وتعالى.

عَرفتُ السيد محمد جعودة – أثناء تواجدي بمدينة طبرق – منذ عام 1984 م وذلك عن طريق نجله أسامة ونشئت بيني وبينه علاقة ودية وطيدة وكنت أزوره بين الحين والأخر. كان يتحدث بعفوية ومصداقية عما عاصره من وقائع وأحداث خلال الحرب وبعد الاستقلال في العهد الملكي وكان محباً صادقاً ووفياً للملك الراحل محمد إدريس السنوسي – رحمه الله- وظل على هذا الحب والوفاء طيلة حياته وأذكر أنه في السنوات التالية بعد وفاة الملك إدريس غريباً عن وطنه ليبيا ظل السيد محمد جعودة يأمل ويتمنى أن يمد الله في عمر الملكة فاطمة حتى يشهد عودتها إلى وطنها وكان يقول (تعود مولاتي ونديرو لها موكب كبير زفة ) لكن قدّر الله تعالى أن تغادر الملكة فاطمة هي الأخرى الدنيا بعيدة عن وطنها بفعل عصابة انقلاب سبتمبر الإجرامية.

بعد تفجر ثورة 17 فبراير أخبرني ابنه أسامه أنه فرح فرحا شديداً بسقوط حكم الاستبداد والظلم وزوال عهد الانقلاب المشؤوم البغيض وعودة علم الاستقلال ،علم المملكة الليبية .

في هذا العام قصد السيد محمد جعودة الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج يرافقه ابنه أسامة وبعد أن أتم كل مناسك الحج وفي فجر يوم الأحد 12 من ذي الحجة 1433 هـ الموافق 28 أكتوبر 2012 صعدت روح محمد جعودة إلى السماء مودعاً هذه الدنيا الفانية في أشرف واطهر بقاعها مكة المكرمة البلد الحرام وهو يرتدي ملابس الإحرام و دفن هناك إلى جوار بيت الله الحرام .و بالإضافة إلى هذه المنِّة العظيمة والخاتمة الطيبة التي نالها محمد جعودة حكمدار الحرس الملكي فإنه يظهر لي أن هذا الرجل كما قُدر له أن يعيش في كنف ذلك الملك الصالح محمد إدريس السنوسي رحمة الله عليه في هذه الحياة الدنيا ويكون أحد جنوده الأوفياء المخلصين ، فقد قٌدر له أن يكون على مقربة منه في حياته البرزخية ،ألم يقل الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ( المرء مع من أحب ).

رحم الله محمد جعودة برحمته الواسعة وجزاه عن جهاده و عن خدمته ووفائه وإخلاصه لوطنه ومليكه أفضل الجزاء.

( نشر بصحيفة الكلمة العدد 84 الصادر بتاريخ 16 ديسمبر 2012 م )

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: