أبوبكر فرج الشكري : عن ( جمعة) والمعالم والطريق …

thumb

كان ( جمعة) يكبرنا سنناً ببضع سنوات ، وهو يسكن بشارع غير بعيد من شارعنا وكان كثيراً ما يحضر إلينا عندما نجتمع لنتجاذب أطراف الحديث في ناصية الشارع خلال الفترات التي يسمح لنا فيها بالخروج من منازلنا ( في أوقات رفع حضر التجول ) أيام الانقلاب المشؤوم ، الذي سماه أصحابه ثورة ، كان ( جمعة ) والكثيرون من أمثاله معجبين بذلك الانقلاب أو الثورة ( كما كانوا يسمونه).

كنا نشاهد الشاحنات تمتلئ بالأشخاص يذهبون للمشاركة في المسيرات المؤيدة (للثورة ) بوسط المدينة وهم يهتفون بسقوط ( الرجعية ) ويعلنون أنهم مع (الثورة ) قبل أن يعرفوا حتى من قام بها ، كان (جمعة) يشارك في تلك المسيرات ثم يعود ليحدثنا وينقل لنا الأخبار عنها بفرح وفخر معجبا ومنبهراً بهذه (الثورة ) و بالجيش الذي قام بها وكان معجباً جداً بقائد الجيش الذي سُمي (القائد العام للقوات المسلحة) وقال عنه (عليك شخصية) والمقصود هنا هو الملازم معمر أبومنيار الذي تحول إلى ( العقيد معمر القذافي ) والذي أصبح بعد ذلك ( رئيس مجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة) وكما قلت كان جزء كبيراً من الليبيين في تلك الأيام مثل ( جمعة ) في إعجابه وانبهاره بذلك الانقلاب الذي سيغير حياتهم إلى أفضل مما كانت عليه بل سيجعلهم يعيشون في نعيم مقيم بينما يبدوا جزء آخر من الليبيين كأنه أصيب بالصدمة والذهول .

مرت الأيام بل السنوات والسنوات وتغيرت الظروف وتبدلت الأحوال ولم أعد أرى ( جمعة) إلا نادراً وبالصدفة ولم تعد تجمعني به أي لقاءات تقريبا وذلك لتقلب ظروف الحياة ومشاغلها من الدراسة للعمل إلى السفر أو الانتقال إلى أماكن أخرى وهكذا كما هي أحوال الحياة وطبيعتها و لكنني كما ذكرت كنت أراه أحياناً ولو من بعيد . وأذكر إنني في المرات القليلة التي كنت أراه فيها أخيراً كانت هيئته قد تغيرت فقد كان يرتدي ثوباً عربياً طويلاً ويرسل لحيته .

مع نهاية التسعينيات تقريباً أو مع بداية الألفية الثانية ( لا أستطيع التحديد بدقة ) لاحظت اختفاء ( جمعة) فلم أعد أراه نهائياً . بعد فترة علمت أنه قد اختفى عن أنظار البشر كلهم إلى الأبد . فقد اعتقل وجز به في السجن كغيره من الآلاف الذين جز بهم في السجون أثناء حملات الدهم والاعتقال التي كان يقوم بها نظام الانقلاب وأجهزته القمعية باستمرار طيلة فترة حكمه البغيض ، ثم قتل( جمعه ) بداخل السجن وأعتقد أنه كان أحد ضحايا مجزرة سجن أبي سليم الدموية البشعة.

رحم الله (جمعة) برحمته الواسعة ، لم يكن يخطر بباله على الإطلاق ولا ببال أحدٍ أن تكون هذه هي نهاية تلك الفرحة والانبهار والإعجاب التي كان يعيشها و كانت سائدة بين الكثيرين في ذلك الخريف من عام 1969 ولا أن تتحول شعارات الحرية والتقدم وسقوط (العهد البائد عهد الرجعية المتعفنة ) بعد سنوات قليلة إلى كابوس من الاستبداد والطغيان والظلم والقهر والتخلف جثم على قلوب سكان هذه البلاد اثنين وأربعين سنةً.

إن (جمعة) لم يكن نشازاً ولم يشذ على القاعدة العامة فالكثيرين كانوا مثله ومنهم من واجه المصير نفسه الذي واجهه ، بل ربما نقول إن ( جمعه ) لا يلام كثيراً فقد كان – في ذلك الوقت – شاباً صغيراً أو صبياً ليست له أي تجربة في الحياة، ثقافته بسيطة ( إن وجدت ) وقد تبهره الأحداث الجديدة ولا يُنتظر منه أن ينظر إليها بعمق ويتعرف على خلفياتها وكيف لا نجد العذر له ونحن نر النخبة المثقفة وبعضاً من الساسة المخضرمين قد باركوا ذلك الانقلاب بل انضموا له ولن نعرض هنا لقائمة بأعضاء الوزارة الأولى بعد الانقلاب حتى لا نجد فيها أسماءً لشخصيات ( وطنية ) كبيرة دخلت تلك الوزارة التي لم تعمر إلا شهوراً قليلة ليصدم أصحابها بالحقيقة وتزول عنهم الغشاوة ويكتشفوا هول الكارثة التي شاركوا فيها ويتجرعوا كأس الحسرة والندامة بعد أن علموا أن أهوائهم أو أطماعهم وضغائنهم الشخصية قد أعمتهم عن رؤية حقيقة ما حدث في ذلك الصباح المظلم المشؤوم والذي لم يكن إلا عملية سطو مسلح وخيانة عظمى قامت بها عصابة من العسكر جندتهم دوائر خفية لا يرق لها ( في أي وقت ) أن ترى هذا الشعب يعيش في أمن واستقرار ويسير نحو التقدم والازدهار ويتنعم بثروته التي حباه الله بها .

لماذا أتذكر وأذكر حكاية ( جمعة ) الآن ؟ في وقت لاشك أن هناك من يتمني أن لا يأتي أحد على ذكر تلك الحقبة السوداء فقد كانوا من ضمن أولئك الذين خرجوا في تلك المسيرات مصفقين وهاتفين ومهللين ومطبلين ومزمرين للانقلابيين بل انضموا في فترات متلاحقة لخدمتهم و العمل تحت نعالهم حتى ركلوهم بها واختلفت مصائرهم بين الإبعاد والاعتقال والقتل المادي أو المعنوي ، لذلك أعتقد أن أكثر من بقي على قيد الحياة من ( أولئك ) لا يريد ذكراً لتلك المرحلة خاصة بعد فبراير 2011 .

أتذكر وأذكر حكاية ( جمعة ) – رحمة الله عليه- لمجرد التذكير بها ، خشيةً من أن يحدث للكثيرين منا ما حدث للكثيرين خلال وعقب ذلك الخريف .ولما لا فلم يكن أحداً ( على الأغلب ) ممن كان يعيش أثناء حدوث ذلك الانقلاب المشؤوم يتصور أن يحدث ما حدث بعد ذلك على مدى أربعة عقود ونيف ومع الفارق الكلي بين ما حدث في 1 سبتمبر 1969 وما حدث في 17 فبراير 2011 فقد كان الأول كما هو معروف عبارة عن انقلابٍ عسكريٍ خيانيٍ قام به مجموعة من الضباط الذين خانوا العهد وحنثوا في اليمين على نظام حكم شرعي دستوري لملك صالح ارتضته الأمة وبايعته بيعةً شرعية حقيقة بينما جاء ما حدث في 17 فبراير 2011 انتفاضة وثورة شعبية عارمة على ذلك الحكم الانقلابي غير الشرعي الدكتاتوري القمعي ، إلا أن مصدر الخشية يكمن في أن مسار هذه الثورة الشعبية قد بدأ بعد مدة ليست طويلة من انطلاقتها يأخذ اتجاه أخر يرى الناظر إليه ( حسب وجهة نظري ) تشابهاً كبيراً ( حتى لا نقول تطابقاً ) مع ما ألت إليه الأمور بعد سبتمبر 1969 وأكرر أن هذه وجهة نظري الشخصية فهذا الدستور الليبي الذي وضعه الآباء والأجداد المؤسسون وانتهكه الملازم أبومنيار وعصابته وأهانوه ووضعوه في الأسر ووضعوا بدلا منه ما سموه إعلاناً دستورياً لا يزال يقبع في الأسر رغم مقتل الملازم أبومنيار والتخلص من حكمه البغيض ولا أحد ( من أصحاب السلطة الآن ) يرغب في إعادة الاعتبار له بل إن الاستعدادات تجري على قدم وساق لإعدامه ودفنه و كما فعل الانقلابيون من قبل عام 1969 قام الذين استلموا زمام الأمور عام 2011 بالاستعاضة عن الدستور الليبي الشرعي (بمنشور سري ) سموه إعلاناً دستورياً لا يزيد عدد من علم به من الليبيين عن الربع في أفضل الأحوال ومن غرائب الصدف أن عدد مواد الإعلان الدستوري الذي أصدره الانقلابيون عام 1969 كان (37 ) مادة وهو مساوٍ تماماً لعدد مواد الإعلان دستوري الذي أصدره الانتقاليون عام 2011 ، كما لم يفكر السيد عبد الجليل وأعوانه إلى أن رحلوا في الاعتذار للملك الصالح إدريس السنوسي ولا رجالات العهد الملكي الدستوري الشرعي عن ما لحق بهم عقب الانقلاب المشؤوم وإعادة الاعتبار لهم ( ولو بذكر ذلك والدعوة له ) وهذا مطلب قانوني أعتقد أنه لا يغيب عن أي عاقلٍ منصف عامة و لاعن رجال القانون خاصةً وفي مقدمتهم بالطبع من ( وصل منهم إلى رتبة وزير للعدل )!. بل إن السيد عبد الجليل ومن معه ختموا سيل قوانينهم الارتجالية بما سموه اعتماد النشيد الوطني و هو النشيد الوطني للمملكة الليبية وقد حذفت منه الفقرة التي يذكر فيها الملك إدريس رحمه الله وقد كان من الأستر ( من السترة ) لهم لو تركوه كله و أتوا بنشيد أخر أو تركوا الأمر لمن بعدهم خاصة وأنه لم تكن تفصلهم عن الرحيل إلا مدة بسيطة ! أليست هذه التصرفات هي مظاهر لعداء واضح لذلك الملك الصالح و الرجال الذين كانوا معه وذلك العهد الذي عاش فيه الليبيون في يمن واستقرار وامن وأمان وبركة؟ ألا يتفقون بهذه الأفعال مع أبومنيار في ذلك العداء ؟ أليس في هذا سيراً على طريق الانقلابيين في الجحود والنكران والعمل على طمس التاريخ و إخفاء الحقائق والقفز عليها ؟

ومن جانب أخر ما نراه ونسمع عنه من مظاهر الفساد وخاصة المالي وهذه الأموال التي تهدر وتقسم دون أن نرى حتى الآن أي بوادر لوضع حد لذلك بل إن كل من يرفع صوته صادقاً كان أم كاذباً يتم إسكاته بالمال تماماً كما كان يفعل ( أبو منيار) في إسكات الأصوات المعارضة وشراء الذمم وهذا الجانب سيطول الحديث فيه ولا أرى داعٍ لذلك فهو معروف لدى الخاص والعام وهو( من وجهة نظري ) مظهر من مظاهر السير في نفس طريق الانقلاب طريق الفساد والمفسدين.

أما عن أفعال جزء من ( ثوار فبراير ) فهي بكل أسف استنساخ لأفعال ( ثوار سبتمبر) بل إن بعضاً من ثوار فبراير قد ( تفوقوا ) على أسلافهم ( ثوار سبتمبر) في الإجرام ! ومن ذلك أعمال القتل والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان والاعتداء على الحرمات التي لم ينج منها حتى الأموات وكذلك نهبٍ واغتصاب أموال وممتلكات الناس والدولة فكثير من أراضي وممتلكات ومزارع المواطنين التي كان يغتصبها منهم أبو منيار وزبانيته وأعوانه استولى عليها بعضاً من ( ثوار فبراير ) ونهبوها بل قاموا ببيعها وقبض أثمانها ! وكما قال أحد المواطنين ( ذهب العسكر وجاء العسكر ) أما أملاك الدولة فهي بين المغتصبة والمنهوبة والمدمرة إلا القليل القليل الذي كـُتب له النجاة ، ألا تذكرنا هذه المظاهر بحكاية ( جمعة ) – رحمة الله عليه- والكثيرين من أمثاله أثناء وعقب خريف 1969؟ ألا تدعوا هذه الأفعال والمظاهر إلى الخوف على هذه الثورة أو بالأحرى علي ما تبقى منها حتى الآن ؟ ألا يحق لنا أن نتساءل ونقول إن بعضاً من المعالم التي بدأت تظهر عقب ثورة فبراير 2011 تتطابق بل ربما هي نفسها معالم ذلك الانقلاب المشؤوم في سبتمبر 1969 فإذا كانت المعالم نفسها فهل نحن على الطريق نفسها ؟

ابوبكر فرج الشكري

27/ 8 / 2012

[ نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم (69) الصادر بتاريخ 2 سبتمبر 2012 م ].

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: