سالم الكبتي : مقدمة كتاب “ الدستور فى ليبيا .. تاريخ وتطورات”–الطبعة الثانية

548599_279823295429239_1411549102_n

هذه مقدمه للطبعه الثانيه وهى مزيده ومرفقة بوثائق وصور لكتابى (الدستور فى ليبيا .. تاريخ وتطورات). سيصدر قريبا باذن الله .

نشر هذا الكتاب في طبعته الأولى منذ عام مضى، ولأهمية موضوعه خلال هذه الفترة التي تشهد فيها ليبيا حراكاً باتجاه التغيير والانتقال إلى مرحلة الدولة والوصول إلى دستورها الجديد رأيت إصدار طبعة ثانية منه مزيدة ومنقحة اتسمت بإضافات اعتبرتها ضرورية تثري العمل من أساسه إلى جانب تصويبات لكثير مما ورد في الطبعة السابقة من أخطاء مطبعية وسواها.

وفي كل الأحوال فإن أمر الدستور يظل مثار اهتمام الناس في ليبيا ومعقد أنظارهم خاصة الأجيال الجديدة التي لم تتواصل مع تاريخ بلادها وانقطعت عنه وعن بدايات التطور السياسي والدستوري فيها والخطوات الطويلة التي قطعها الآباء لإنجاز دستور سليم متفق عليه تنهض على أسسه الدولة وتعلو.

لقد ظلّت ليبيا معطلة دستوريا طوال أربعين سنة من الانقلاب على الشرعية في سبتمبر 1969.. وشهدت خلالها حياة سياسية غريبة الملامح ومشوهة الوجه تمثلت فيما سمى لاحقاً بسلطة الشعب وشرعية الثورة واللجان الثورية التي انفردت عبر تضليل واضح بالبلاد والعباد، ولم يعرف الليبيون عبر تلك الأربعين العجاف أي دستور أو عقد اجتماعي سوى الفوضى الضاربة جذورها في مفاصل الدولة التي ابتدعتها حكم الفرد وغيره ممن خيل لهم وزينوا له أعماله الحمقاء.

ثمة حراك سياسي في الواقع الآن في ليبيا فيه اجتهادات وفيه تعثرات أيضاً، وهذا الحراك نشأ عن الفراغ السياسي الهائل الذي أوجده ذلك الانقلاب ثم دعت إليه بعد ثورة فبراير 2013 الضرورة الملحّة لصيانة الحقوق وإعادة الحرية والكرامة للمواطن.. والحاجة إلى الدستور في نهاية المطاف الذي يحمي ذلك المواطن ويرعى حقوقه وواجباته ويبني سياج الديمقراطية والعدالة في الوطن منعاً لأية انحرافات أو مزالق تؤدي إلى التهلكة.

عقب نشر الطبعة الأولى من هذا الكتاب لاحظت اهتمام ومتابعة الكثيرين، داخل ليبيا وخارجها أيضاً، بتاريخنا الدستوري.. لاحظت تواصلهم وإبداء ملاحظاتهم وانطباعاتهم القيّمة والسلبية بشأنه.. ولاحظت أيضاً اندهاشهم من التجربة الدستورية التي مرّت بها ليبيا في مدّة ماضية ولم يصدقوا ذلك!، وبعضهم وجد في الكتاب فائدة من ناحية التوثيق التاريخي والرصد لمراحل ليبيا الدستورية وتدرجها التي بدأت منذ أواخر العهد العثماني الثاني باختيار نواب في مجلس المبعوثان بعد إعلان الدستور في دولة الخلافة عام 1908، ثم في سنوات الاحتلال الإيطالي للبلاد التي تراوحت بين إصدار القوانين الأساسية (الدستور) في طرابلس وبرقة في فترة العشرينيات الماضية وبين تأسيس مجلس نواب برقة عام 1921.. هذا المجلس الذي اعتبر أول مجلس نيابي في المنطقة العربية آنذاك وقام عبر صناديق الاقتراع في المدن والاختيارات في مناطق القبائل، وهذا شيء -في المرحلتين السابقتين- يؤكد وجود عناصر واعية من الوجوه الوطنية التي تتحرك مع روح العصر وتعيشه وتستفيد منه وفقاً لتقاليدها وعاداتها، ثم مرحلة ما قبيل الاستقلال في ديسمبر 1951 التي شهدت انتخابات في مدن برقة ودواخلها عام 1950 عقب إعلان (الدستور البرقاوي) في 1949، وتكوين مجلس نواب مع سلطة تنفيذية وأخرى قضائية.. وتزامنت مع التمهيد للسير نحو استقلال البلاد حيث وضعت لجنة الواحد والعشرين وبإشراف المجلس الاستشاري للأمم المتحدة الخاص بليبيا اللبنة المهمة الأولى في وضع حجر الأساس للتطور الدستوري الليبي المعاصر.. وانتهت بإنجاز لجنة الستين لدستور ليبيا المستقلة في 7 أكتوبر 1951 الذي استمر العمل به وفقاً للنظام الفيدرالي الذي أقرّه ذلك الدستور وكان متساوقاً في السنوات الأولى للاستقلال مع القوانين الأساسية أو (الدساتير المحلية) الخاصة بالولايات الثلاث: برقة وطرابلس وفزان والتي جرى تعديلها عدّة مرات لتتوافق والتطور أو النشاط العام الذي تشهده البلاد في أرجائها كافة، وقد أضفت تلك القوانين في هذه الطبعة لأهميتها في توثيق تطورنا السياسي المعاصر ويلاحظ أنها في الغالب ملتزمة في بنودها نصاً وروحاً مع مواد الدستور الليبي وكانت تراعي ظروف وطبيعة كل ولاية وتعبر في مجملها عن الرؤيا القانونية الدستورية والسياسية والفهم لتنظيم الأمور وضبطها واحترام حقوق الأفراد وكانت كلّها تؤكد على أن كل ولاية جزء لا يتجزأ من ليبيا، وهو ترسيخ من جهة أخرى لمفهوم الوطن الواحد.. وإن تباينت الآراء ووجهات النظر!.
وكانت آخر المراحل الدستورية للبلاد هي إلغاء القوانين الأساسية للولايات وإجراء التعديلات الدستورية اعتباراً من ديسمبر 1962 وصولاً إلى إنهاء النظام الفيدرالي الذي كان نظاماً إدارياً صرفاً وإعلان الوحدة وإلغاء الولايات واستبدالها بالمحافظات العشر بعد موافقة مجلس الأمة (شيوخاً ونواباً) والمجالس التشريعية في الولايات عام 1963.

إن هذا الإعلان في الواقع لا يعد مخالفة دستورية ولا يحمل أي تلاعب أو التفاف، كما يتصور البعض أياً ما كان الاختلاف مع أو ضد النظام الفيدرالي، على مواد دستور عام 1951 الذي أجاز التغيير والتعديل في أي وقت تقتضيه الظروف ومصلحة البلاد. كانت (المرحلة الفدرالية) جسراً عبرت فوقه البلاد وعاشته مدّة اثني عشر سنة (1951-1963) تمتعت فيها الولايات بالاستقلالية الإدارية والمالية في إطار الوحدة العامة للبلاد ولم تكن تعني الانفصال أو التقسيم وربما تعثرت أحياناً أو حصلت تداخلات وتشابكات في الخطوط والاختصاصات مع (الحكومة الاتحادية) عقب الاستقلال بفترة قصيرة وهذا أمر طبيعي وعادي في سنوات التكوين المبكر لدولة فقيرة حصلت على استقلالها بأعجوبة بالغة، وتنبغي الإشارة إلى أن نظام المحافظات العشر جسد في حقيقة الأمر (اللامركزية) بكفاءة.. ووزع المهام في مفاصل الدولة وأركانها وطالت الخدمات والتنمية والاستقرار المواطن في أطراف الوطن القصية.

وتشاء الصدف أن تمر الآن خمسون سنة على تلك التعديلات وإنشاء نظام المحافظات التي لم تعمر سوى ستة سنوات ليقع الانقلاب على الشرعية الدستورية ونظام الدولة ويعطل الحياة السياسية ويُلغي الدستور تماماً ويسخر منه ويعتبره شيئاً مضحكاً لا يتسق والعصر!، ويستبدل به إعلاناً دستورياً باهتاً وضعه غرباء عن الوطن وظروفه مكوّن من (37) مادة ولم يلق أي اهتمام ولم يؤثر في الواقع تأثيراً مباشراً في الحياة السياسية الليبية بعد فترة الانقلاب التي وضعت البلاد كلها في دوامة مخيفة من عدم الاستقرار السياسي والنيابي والانفراد بالحكم وتعطيل القوانين والضرب عنها صفحا وتوجت في آخر المطاف بحكم اللجان الثورية والغوغاء والمحاكم الاستثنائية والقرارات الارتجالية التي هزّت كيان الوطن برمته وجعلت معيشة المواطن اليومية جحيماً لا يطاق فيما ظلّت ليبيا (جماهيرية الفوضى والسفه) ألعوبة في أصابع طاغية وأضحوكة في أفواه الآخرين!!

رأيت أيضاً أن أضمّن محتويات هذه الطبعة شاهداً على أكاذيب وحماقات فترة السفه عندما زيفت الأمور كما هو الحال دائماً بالمحاولات المبتورة خلال ما زُعم في الترويج لها بأنها فترة (الإصلاح) و(مشروع ليبيا الغد) الذي لا يتعدى حدود أي (مشروع أمني آخر لذلك النظام) المتمثلة في عمل دستور أو ميثاق وطني عام 2007، ويلاحظ أن هذا الميثاق الذي لهث خلف إعداده الكثيرون لا يختلف في بنوده عما ورد في (الكتاب الأخضر) فقد استنبطت نصوصه منه ولم تخرج كثيراً في سياقاته عنه وترجمت بكل بؤس إلى ما يسمى بميثاق وطني جسدت في مادته الرابعة أمراً عجيباً يؤلّه السلطان ويعتبره ظاهرة تاريخية لا تتكرر. لقد كان ذلك المشروع مجرد سراب خادع وسط النهار في صحراء تعج بالزيف والأكاذيب وتخفي تحتها آلاف الزواحف والألغام يسير عبرها المواطن معصوب العينين وحافي القدمين على الدوام!

وتعزيزاً لما أوردته في تتمة الكتاب أضفت ملحقاً بالوثائق والصور أحسب أنها تكمل هذا العمل التوثيقي لقصة وتاريخ وتطورات الدستور في ليبيا ولعلها تحمل إضاءات سريعة للباحث والقارئ على حد سواء.

إن لدينا في ليبيا تجربة سياسية تفاوتت مراحلها وتنوعت مع مرور الأعوام وإن لامستها ملابسات أو اعترتها أخطاء ونحن مطالبون بقراءتها والإلمام بها والوعي بتفاصيلها، وإذا كان البعض منّا في حراكنا الحالي يدعو إلى الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى فإنه من الأجدر أن نركن إلى تجربتنا الوطنية، كائناً ما كانت، ونقبس منها، ونستنطق أبعادها ونأخذ ما يفيدنا ويزيد من تطورنا ونضجنا السياسي والفكري، ولا يفوتني هنا أن أذكر بأن الكثير، في الداخل والخارج، تساءل بذهول:
هل كان لدينا هذه التجربة؟
هل كان لديكم دستور… ودولة؟!
هل كان عندكم كل هذا… أيها الليبيون؟
نعم.. أيها السادة السائلون!

أوجه تقديري إلى دار الساقية وصحيفة الكلمة على اهتمامهما بنشر الكتاب في طبعتيه خلال فترة من الزمن قصيرة لا تتجاوز عاماً واحداً، وإلى كل السادة الذين تواصلوا وسألوا وتعجبوا في الداخل والخارج وأيقظ لديهم الشعور القوي بأن في تاريخنا الليبي هناك ما يتوهج رغم محاولات التعتيم والإظلام في كل الأوقات، وثمّة شكر وتقدير خاص لابد لي من توجيهه إلى الأستاذ الفاضل والصديق الكبير محمد أرحيم التائب الذي قرأ الطبعة الأولى قراءة جادة مستفيضة وصوّب كثيراً من الأخطاء والهفوات المطبعية ونبهني إليها بعد أن أخذت الكثير من وقته وهو فضل أدين به ولا أنساه.

ومهما يكن، فلابد من العودة إلى جذورنا.. إلى تراث الجدود والآباء والإفادة منه والمضي قدماً في تحمل مسؤولياتنا تجاه الوطن مثلما فعلوا بتضحية وإنكار ذات.. أجيالاً فأجيالاً لا تركن إلى ماضيها فقط بل تنطلق منه لصنع مستقبلها نحو الأفضل.. ولكل نبأ مستقر.
سالم الكبتي
عمّان: 25 فبراير 2013

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: