فردوس عبيدة : عوض عبيدة ( فن الإعجاز الممتنع )

ترددت كثيرا قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال لأنني لا أجيد فن الكتابة ولا أدعي القدرة على ذلك ، ولا أملك أدواتها المهنية التي تجعلني أخوض في مجالها . ولم يسبق لي أن كتبت بشكل معلن من قبل ولكن الذي دفعني لذلك هو ما يضطرم في نفسي من غليان الكلم وإنفجارها على صفحات هذه الوريقات.

ماذا أقول عن فنان كبير في مقام عوض عبيدة ؟ ومن أين أبدأ ؟

لقد شعرت بعجز كلي الشمول وبإحباط شديد الوقع . ولكن تحت إلحاح ما يجول بخاطري شرعت بكتابة هذه السطور عن فنان كبير تعانق قامته عنان السماء .

التراث هو ما تختزنه الشعوب من فنونها وأدابها وقيمها ومبادئها وهو ما يتبقى عندما تغيب المرئيات عن الوجود تضل هذه الفنون السرمدية الوجود شاهدة على موروث هذا الشعب . لقد ظل هذا الفنان طيلة حياته من العطاء يهب الناس من فيض محبته لهم هذه الأعمال المليئة بالحياة والفرح .

0

الإنسان بالنسبة إليه مصدر إلهامه بكل ما يحتويه الإنسان من معاناة .

لقد سجلت ريشة هذا الفنان الكبير جميع عادات وتقاليد المجتمع الليبي من خلال لوحات فنية تبرز هذه العادات بأدق تفاصيلها وخصوصيتها بطريقة مذهلة لم يسبقه إليها أحد من قبل ، ولم يتكرر هذا كمنهج فني قائم بذاته .

حتي في عصر النهضة الأوربية جسد عمالقة الفن من أمثال روفائيل ورمبراند وكارفاجو أعمالهم الفنية من خلال توجهاتهم الدينية الكنائسية في تلك الحقبة ولم يتطرقوا إلى المناحي الحياتية الأخرى كمنهج لهم إلا من خلال أعمال منفردة .

1

كل لوحة تعتبر قصة قائمة بذاتها .. إزدحمت رسوماته بالعيون تشعرك بالحركة في كل الإتجاهات كأنها تحكي لك ألف حكاية وحكاية . ينتابك الإحساس كأنك تعيش بداخلها الإحساس بالفرح والبرد وبالحر والضوضاء بل تكاد تشم رائحة الكعك والخبز في لوحة الكوشة وتكاد تحدد الزمن من خلال إنحدار الشمس على جدران الأزقة القديمة في فصل الخريف . فلوحاته تحكي حياة مجتمع بطقوسه الجميلة وأحيائه الشعبية ومحبته وقيمه الأخلاقية . رسوماته تشحن ذاكرة المتلقي وخاصة من الأجيال الصاعدة والقادمة بتفاصيل الحياة الليبية الشعبية البديعة بطريقة لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال هذه الرسومات التي تدل على ذهن متقد يمتص كل ملامح الحياة بمقدرة فائقة تَِنمُ عن ذاكرة فذة حبلى بمرئيات حياتنا الإجتماعية في مختلف صورها الجميلة .

2

هذا المبدع إستطاع بما يمتلكه من إحترافية فائقة أن يسبر غور موروثاتنا الجميلة وحياتنا النبيلة الخالية من كل تصنع وتكلف .

ورسم هذا الفنان منذ طفولته مئات الصور على إمتداد أكثر من ثمانبن عاما .

أقام له أول معرض في بنغازي سنة 1946 . كما أقام عدة معارض في الخارج في فيينا بالنمسا وكذلك في عواصم بعض الدول .. إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ومن الدول العربية سوريا والخليج والمغرب . فنان معروف ومشهور عند متتبعي الفن على المستوى العربي والعالمي ومصنف عالميا ضمن مؤسسة اليونيسكو .

لوحاته موجودة في أغلب أماكن أوربا وأمريكا والدول العربية ولديه قاعدة كبيرة من المعجبين والرسامين الموهبين الذين يسيرون على خطيء منهجه ومدرسته .

3

ولكن حقبة القذافي المظلمة أثرت فيه ، بدون شك ، مثلما أثرت في كافة جوانب النهضة الليبية من حيث تعريف الأجيال الصاعدة بهذا الفنان الكبير أو من حيث الإستنارة من هذه الموهبة الفذة وإتاحة المعارض والفرص له وتبني الدولة كل هذا . بل لحقه الضرر عند فقدانه لمرسمه فتحول المرسم إلى طريق يشق المدينة إلى نصفين وضياع كثير من النماذج والمقتنيات الثمينة . هذا دليل فاضح على مدى تخلف وجهل النظام السابق بقيمة هذا الفن . بدلا أن يهيئو له المكان والأجواء المناسبة للخلق والإبداع .

وبعد رفضه عندما طلب منه رسم لوحة تمثل وجه المقبور قرر السفر إلى بريطانيا ، حيث اقام هناك لأكثر من إثنى عشر عاما .

4

والشيء الذي لا يعرفه الكثير أنه في فترة تواجده خارج الوطن جسد الفنان عوض عبيدة ملحمة جهاد ومعارك كفاح الشعب الليبي ضد الطليان في عدد إثنى وعشرين لوحة نفائس فنية نادرة تنبهر لها الأبصار وتحير لها العقول يقف الإنسان أمامها في حالة من الإنبهار الكلي والإعجاب الشديد .

وبهذا يعتبر الفنان عوض عبيدة مؤرخا ومُأََرشفا وموثقا للتراث الليبي ولجهاد وكفاح الشعب الليبي ضد الإيطاليين محافظا على هذا التراث من الإندثار . هذا العمل الفني الجبار الذي صنعه الفنان عوض عبيدة لم يتسنى لأحد من كبار الرسامين عبر العصور التاريخية الفنية والإتيان بمثله كمنهج خاص بأي فنان .

من الأعمال العبقرية لهذا الفنان وسر الله الذي وضعه في هذه الموهبة الفريدة المتفردة عندما تقف أمام لوحاته وتتساءل هل هذه اللوحات رسمت باليد أم أنها صور فوتوغرافية لما تحتويه من أدق التفاصيل ومنها ما حيرت كبار النقاد وأوقعتهم في حيرة بل جعلوها سر من أسرار هذا الفنان ولغز محير لم يجدو له الإجابة بعد على غرار ( أيهما خلقت أولا البيضة أو الدجاجة ) .

5

في إحدى لوحاته توجد عروس جالسة وعلى وجهها محرمة ( إيشارب شيفون شفاف ) ومن خلال هذه المحرمة تظهر وتبرز تقاسيم وجه العروس بكل وضوح . والسؤال المحير هو هل رسم هذا الفنان الوجه أولا ومن ثم رسم المحرمة .. ؟ أم رسم قطعة المحرمة أولا ومن ثم رسم تعابير الوجه… !!

يوجد أيضا جزئية في إحدى لوحاته ( الحسان ) نصف كوب ممتلىء بالماء ..! هل يستطيع أحد أن يرسم الماء …؟؟

فإنني أقول فن الرسم موهبة ربانية لا يدعها الله تعالى إلا في النفوس الخيرة والصفوة من البشر .وإن لموهبة النحت والأدب والشعر لهي كذلك .

قدم لوطنه من خلال مجاله ما لم يقدم . خلد تراث هذا الشعب العظيم وسيرة كفاحه في موسوعة فنية مصورة تعلم الأجيال التي لم تعش هذه الحقبة التاريخية بتراثهم وعاداتهم وكفاح أجدادهم . كما أضاف عوض عبيدة إلى كنوز ليبيا كنزا لا بفنى وسيبقى خالدا خلود أثارنا العظيمة .

بعض من مقتطفات عن طفولته تقول :

( …. كنا نرسم من الذاكرة نشاهد الأشياء نحفظها ونختزنها . لا تقوى النفس البريئة المرهفة على كتمانها فتحولها الذاكرة إلى خطوط على أول جدار . كانت منازلنا القديمة هي الإطار العام . المدينة محتلة والغزاة يسيطرون على كل شيء والطريق إلى مصادر الإلهام والإبداع مقفلة …. الجنود يحرسون منافذ المدينة يقسمونها إلى قسمين …. يطاردون فزعهم وخوفهم من المجاهدين في الداخل والخارج . وكان أن نشبت الحرب العالمية وتساقطت القنابل على بيوتنا العتيقة خرجنا فيمن خرج من المدينة بحثا عن ملجأ وكانت الفرصة الوحيدة لي لأجد نفسي وجها لوجه أمام الطبيعة . فقد عثرت على ألوان جديدة لم أكن أعرفها وأنغاما لم أسمعها من قبل .وأضاف الصبي اليافع إلى حصيلة الطفل النامي مرئيات جديدة ما كانت تتوفر له لو لم يغادر حدوده الصغيرة في قلب المدينة القديمة …)

ومن مقولاته أيضا :

( … وظفت جهودي وما أستطيعه مع مجموعات الشباب التي كانت تتصدى بمعارفها عبر مواجهة يومية ودائمة لعدو مقيم . كان الغزاة لا يطيقون حقيقة وعينا ونضجنا . ويطيب لهم وصفنا بالمتخلفين . وكان هَمُّ بعض الشباب وكنت إحداهم إثبات عكس هذه الصورة الغير معقولة . سألت نفسي سؤالا ذات يوم ما الذي أستطيعه مما لا يعتقدون بتفوقنا فيه ؟ وكانت الفرشاة أسبق من لساني للإجابة . وأخذت كل ما وعيته وإختزنته وعايشته من صور إلى لوحات . وكنت أرسم وأرسم وكانوا يصابون بالدهشة والعجب وكنت أواصل الرسم في إصرار عجيب . لعلها مرحلة البحث عن الذات إو لعلها مرحلة إثبات الذات بعينها . ولكن رغم ذلك فإن أعدائنا ظلوا على موقفهم لا يرو فينا إلا حفنة من حفاة . وكنت أقول سأعلمكم كيف تحترمون الحفاة ولسوف تتسلل لوحاتي الفنية إلى غرفكم ودون رغبتكم المعلنة … )

أصبحت لوحاته مزارا فنيا يقصده الزوار من كل حدب وصوب سواء من أبناء البلاد الذين يعشقون تراثهم وكثير من الأجانب المولعين بإسلوبه الفني وإنتشرت إبداعاته في أنحاء كثيرة وعديدة .

ضمن خضم الكثير من المذاهب الفنية المتعددة سواء الكلاسيكية أو الرومانسية أو التجريدية أو التكعيبية جذبه تيار المدرسة الواقعية وأسس مذهبه الخاص به من خلال هذا الإتجاه وأصبحت له مدرسة فنية قائمة بذاتها خاصة به يسير على منوالها الكثير من عشاق هذا التيار .

يقول عن نفسه :

(…أعتبر نفسي فنانا ملتزما بقضايا الجماهير التي أنتمي إليها ، لا أعيش في عزلة كما يقولون ، ولست منزويا . أحب إلتفاف أبنائي وأحبابي من حولي . أتردد وبإنتظام على المعارض التي تقام تفيدني رحلاتي . الفن عندي هواية وأفصل كثيرا من الهواية ومطالب الحياة …)

كان رحمه الله كثير القراءة وعلى إطلاع واسع بمختلف العلوم والمعلومات الحياتية والكونية .. إسلامه مستنير.. سريع البديهة .. حاضر النكته .. خفيف الظل .. متسامح مع الغير إلى أبعد الحدود .. .معطاء بدون مقابل .. جلساته لا تمل ، يرى في محبة المحيطين له معين لا ينضب .

أناقته وقيافته المستديمة ووقاره خلقت حوله هالة من المهابة والإحترام العجيب . لديه العديد من الهوايات الإحترافية مثل الرسم الكريكاتيري والرسم بالرصاص والتعبير بالظلال والتصوير الفتوغرافي. يعشق سماع الموسيقى الكلاسيكية لفترات طويلة دون ملل موسيقي شتراوس .. بيتهوفن .. باخ .. موزارت .

أقام معرضا في المملكة المغربية سنة 1994 إنبهر الملك الحسن الثاني بم شاهد من إعمال فنية طلب مقابلته شخصيا وقدم له عروض مغربية للإقامة في المغرب وتدوين الثراث المغربي بالرسم ..فأبى إلا أن يعود إلى وطنه ليكرس نفسه لخدمة البلاد . قلده الملك الحسن وسام الفن الرفيع .

يمقت الفنان عوض عبيدة أسلوب المتاجرة والإرتزاق من خلال رسوماته فإنه يراها كأبنائه لأنه خلال مرحلة إنجازها يعيش حالة من الإنصهار والخلق لخروج هذا العمل إلى حيز الوجود .

يقول :

( … أدعو إلى الإهتمام بالمواهب الجديدة ، وهذا الإهتمام ينطلق من رعاية التربية الفنية لخلق جيل جديد يتوفر له ذوق جمالي . وهذه ليست بالمهمة السهلة … )

تعكس لوحات الرسام عوض عبيدة الحالة الإجتماعية الإقتصادية والثقافية والسياسية من الفترة الواقعة بين 1946 – 1951 بل إمتد هذا الأثر إلى الستينات من القرن المنصرم . فأطلقو لها العنان .. فكو عنها الرهان .. إجعلوها تعانق الجدران .. لأنها ترسم السعادة على قلوبكم والبسمة على شفاهكم وترجعكم إلى عبق الزمان والمكان .

يقول الكاتب المرحوم خليفة الفاخري :

( .. الفن تميمة سحرية ، وسام ترصع به الأمة صدرها ثم تهبه لأجيال يباهون ويتباهون به فيما يزرعون أقدامهم عميقا في الأرض . ويقولون أن لديهم تراثا . وإذا كان الفن تميمة سحرية فلا شك أن الفنان عوض عبيدة يملك تلك التميمة … )

رحم الله أبانا وأسكنه فسيح جنانه وسيضل خالدا مع عظماء هذا الوطن العزيز .

فردوس عبيدة

 

سبق نشر المقال بصحيفة الكلمة الصادرة في بنغازي

Advertisements

One response to “فردوس عبيدة : عوض عبيدة ( فن الإعجاز الممتنع )

  1. عبير جبر أحمد الأكوح أبريل 17, 2013 عند 11:48 م

    انا حضرت معرضا للفنان الرائع عوض عبيدة و كان بالفندق الكبير بمدينة طرابلس العاصمة الليبية أقيم المعرض بعد الحاح من المقبور بطلب زيارة الفنان عوض عبيدة و عمل معرض لرسوماته التي عاش معظمها في الغربة ليبيا كانت تعيش في مخيلته بالرغم من عدم رضاؤه علي الحكم فيها و هاجر لتصل احاسيسه كل العالم الأوروبي و العربي رحم الله هذا الرجل و ادخله فسيح جناته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: