أبوبكر فرج الشكري : كيف تعاملنا معه وكيف تعامل الصرب مع ملكهم …؟

thumb

 

الملك إدريس موحد ليبيا ألم يحن الوقت لإنصافه ؟

7148_355817937861988_689471503_n

نشرتُ في صفحتي على الفيس بوك قبل مدة – نقلا عن موقع صحيفة اليوم السابع المصرية – خبر إعادة رفات الملك بيتر الثاني آخر ملوك يوغسلافيا إلى صربيا الذي كان قد فر وهو في الثامنة عشر من عمره عندما هاجمت ألمانيا تحت حكم هتلر مملكة يوغسلافيا عام 1941 .
وكان النظام الشيوعي الذي جاء إلى السلطة وأعلن الجمهورية – في يوغسلافيا- عام 1945 قد وسمه بالخائن ومنعه من العودة إلى وطنه.

وألغت صربيا القرار – بعد سقوط الشيوعية – و انهيار يوغسلافيا في تسعينات القرن الماضي.

ولعل سائل يسأل عن مدى أهمية هذا الخبر(بالنسبة لنا ) وما دعاني لنشره ؟

وللإجابة أقول: في الغالب عندما تعلم بواقعة ما فإن ذلك يذكرك بواقعة أخرى حدثت لك أو علمت بها من قبل مع الاختلاف في درجات التشابه أو التطابق فيما بين تلك الوقائع القديمة والمستجدة . وهذا الخبر ذكّرني بعدد من المواطنين اليوغسلاف الذين فرو من حكم تيتو الشيوعي الشمولي ولجئوا إلى ليبيا وعاشوا فيها مكرمين وبعضهم اشتغل مع مواطنين ليبيين في المقاولات والتجارة وغيرها واستقروا في ليبيا إلى أن ماتوا فيها أيام كانت ليبيا دولة أمنة مطمئنة ينتشر في ربوعها العدل والاستقرار ويعيش فيها الإنسان عزيزاً له حقوق يأخذها بكرامة وعليه واجبات يؤديها باحترام وقديماً حدثني أحد الأصدقاء من مدينة طبرق أن طبيبا يوغسلافيا كان يعمل هناك منذ قدومه إلى ليبيا لاجئاً واستقر في طبرق إلى أن قام ( تيتو) رئيس يوغسلافيا بزيارة ليبيا في السبعينيات من القرن الماضي عند ذلك قال لهم (مادام تيتو زاركم فلن تروا خيراً ) وغادر ليبيا على الفور .

لكن قبل ذلك فإن الجانب الأهم الذي لفت انتباهي في هذا الخبر بصورة أكبر هو جانب تعامل اليوغسلاف أو الصرب مع ملكهم السابق ومن البديهي أن ذلك سيُذكرني بما حدث عندنا تجاه ملكنا الراحل السيد محمد إدريس السنوسي( إدريس الأول ) – رحمة الله عليه- وكما أشرت سلفاً يجب التنويه على الاختلاف في درجة التشابه بين الحالتين وأقول الحالتين أي ليست المقارنة هنا بين ملكنا الصالح رحمة الله عليه وملك يوغسلافيا بل بين حالة التعامل مع كل منهما من قبل شعبه

الملك بيتر أو ( بطرس) الثاني أُعلن عن تنصيبه ملكاً دستوريا على يوغسلافيا في مارس 1941 ولكن ذلك الملك الشاب لم يتمتع بالعرش سوى أيام لأن قوات ألمانيا النازية هاجمت يوغوسلافيا في ابريل 1941 مما أرغمه على الهرب إلى اليونان ومنها إلى مصر التي كانت فيها قيادة القوات البريطانية في شرق المتوسط ثم قضى سنواته الأخيرة إلى وفاته في الولايات المتحدة حيث دفن في ليبرتيفيل بولاية الينوى .

فمدة حكم بيتر الثاني كانت بسيطة جداً وهو بالتالي لم يقدم لبلاده وشعبه الكثير، هذا إذا كان قد قدم شيئا أصلاً ومن شبه المؤكد أن الأغلبية الساحقة من أبناء شعبه- الأحياء – لا يعرفونه ، فقد غادر ذلك الملك بلاده كما ذكرنا عام 1941 أي منذ أكثر من سبعين عاماً- وكان عمره إذ ذاك ثمانية عشر عاماً – ولم يعد إليها نهائياً ومكث في المهجر الإجباري إلى وفاته في عم 1971 .

بعد أن استولى الشيوعيون – بزعامة تيتو – على السلطة وإعلانهم الجمهورية في يوغسلافيا عام 1945 وصفوه بأنه خائن ومنعوه من العودة لوطنه.

في أوائل التسعينيات من القرن الماضي سقط النظام الشيوعي في يوغسلافيا واستقلت مكوناتها .

كان من أول ما قام به الصرب هو إلغاء ذلك الحكم والوصف بالخيانة الصادر ضد الملك بيتر الثاني رغم إنه في ذلك الحين كان قد توفى منذ ما لا يقل عن عشرين سنة .

هذا توضيح بسيط للخبر المتعلق بما حدث في يوغسلافيا أو في صربيا الدولة التي أغلب سكانها من المسيحيين الارثودكس بخصوص ملكها السابق إلى أن تم خلال المدة الماضية نقل رفاته وإعادة دفنه في وطنه بعد أكثر من أربعين عاما على وفاته.

فما هو خبرنا نحن في ليبيا التي يدين سكانها بالإسلام على بكرة أبيهم ( بفضل الله تعالى ) بخصوص ملكنا الصالح الراحل محمد إدريس المهدي السنوسي ( إدريس الأول ) رحمة الله عليه ؟ الخبر في أغلبه معروف أو قل إن أغلبنا يعرفه.

هذا الملك فرع الدوحة النبوية الشريفة سليل الفاتحين جده الإمام السيد محمد بن علي السنوسي و والده الإمام السيد محمد المهدي ملئوا ليبيا وما حولها وبقاعاً شتى من العالم الإسلامي علما ونورا بعد أن كانت جهلا وظلاما وكان هو المستلم للراية من خليفتهم من بعدهم ابن عمه رافع لواء الجهاد ضد الغزاة الفاشست الإمام السيد أحمد الشريف السنوسي . رحمة الله عليهم جميعا

هذا الملك حمل على عاتقه هموم وطنه ليبيا وشعبها منذ سنوات شبابه الأولى مجاهداً في سبيل تحريرها بكل ما يستطيع لم تثنيه شراسة العدو وقوته ومكره ولا عمليات استهدافه الشخصي من قبلهم بزرع السم أو محاولة الاغتيال ، وبعد أن عز أمر الجهاد المسلح بسبب عدم التكافؤ في ميزان القوة و حيل بينه وبين وطنه فإن بُعده الجسماني عن هذا الوطن لم يبعده روحياً ونفسياً عنه فقاد من المهجر الجهاد السياسي الذي لم يكن أقل وَطْأ من الجهاد المسلح والتف حوله أبناء شعبه في ديار المهجر كما كانوا قد التفوا حوله في الداخل وهناك أسس الجيش السنوسي الذي شارك مع الحلفاء في هجومهم على القوات الايطالية والألمانية حتى تم إخراجهم من ليبيا وتحريرها واستمر الكفاح السياسي في أروقة الأمم المتحدة وكانت مركب ليبيا تموج وسط بحار متلاطمة، تتقاذفها أمواج عاتية لكن بفضل الله ونضال أبنائها وقائدهم الأمير إدريس السنوسي رست تلك المركب على شاطئ الأمان ونالت ليبيا استقلالها فأختاره رجال ليبيا الممثلين لشعبها ملكاً دستورياً عليها وبايعوه بذلك بيعة شرعية و لم يقبل بوصف الملك حتى صدور الدستور الذي أعلن احترامه له وقطع على نفسه عهداًً بذلك ووفى بعهده فلم يُسجل عليه أي انتهاك للدستور طيلة فترة حكمه الذي استمر لثمانية عشر عاماً شهدت فيها بلاده العدل والتقدم و الرخاء والرقي الذي لم تشهده أي دولة أخرى بالمنطقة وعاش شعبها في استقرار وأمن وأمان وحرية وكرامة لم يظلم ذلك الملك أحداً ناهيك عن أن يقتل أحداً كان ذلك الملك زاهداً صادقاً شريفاَ عفيفاً نظيف اليد يحب الخير لوطنه وأبناء شعبه ويسعى لإسعادهم بكل ما يستطيع منع أن يقال له جلالة الملك ومنع أفراد عائلته من تولي المناصب السياسية وجعل العائلة المالكة مقتصرة على الملك وزوجته وعلى ولي عهده وهناك الكثير من مزايا ذلك الملك الصالح لن استرسل في الحديث عنها ولا عما حدث له اثر الانقلاب العسكري المشؤوم في 1969 فالمجال هنا لا يتسع وأغلبنا كما قلت نعرف ذلك ونعرف كذلك ما حدث ولازال يحدث بعد ثورة 17 فبراير 2011

فإذا كان الصرب الذين تلتصق صورتهم في أذهاننا بالحروب والمذابح كان من أول ما قاموا به بعد سقوط الحكم الدكتاتوري الاستبدادي هو إعادة الاعتبار للملك بيتر الثاني وإلغاء الحكم عليه بالخيانة وإلغاء منع أفراد أسرته من العودة إلى وطنهم ثم نقل رفاته وإعادة دفنه فيه. فإن ما حدث عندنا بعد سقوط الحكم الدكتاتوري الاستبدادي كان مخالفاً لذلك تماماً فكلنا – أو من خرج خلال الأيام الأولى للثورة – يعرف كيف كانت صور الملك إدريس ترتفع في كل مكان وكيف كان اسمه يكتب على الشوارع بالخط العريض أما العلم فشأنه معروف والنشيد كان يَِِصدح كاملا من شرفة المحكمة لكن ما أن أصبحت الملامح الجديدة تظهر خيوطها حتى امتدت الأيدي الخفية لتشوه تلك الصورة بألوان الجحود والنكران السوداء القاتمة .

و حذفت من النشيد الوطني الفقرة التي تقول :

حي إدريس سليل الفاتحين إنه في ليبيا رمز الجهاد

حمل الراية فينا باليمين وتبعناه لتحرير البلاد …الخ الفقرة

ومع أن من قام بحذف تلك الفقرة من النشيد قد ظل إلى الآن مجهولاً لكن قنوات ما بعد فبراير وريثة ( القنفود ) قامت بالترويج لذلك الطمس بل إن إحدى تلك القنوات قد قامت بعملية تزوير حيث حشرت بدلا من تلك الفقرة كلمات تقول :

حي المختار سليل الفاتحين إنه في ليبيا رمز الجهاد . الخ الأبيات

ومع احترامنا للبطل الشهيد عمر المختار فإن هذه الكلمات لا تنطبق عليه و لو كان المختار حيا ما رضي بهذا التزوير وكيف يرضى المختار ـ وهو ابن السنوسية البار وتلميذها النجيب وأحد مشايخ زواياها الشهيرة ـ بأن يُحذف اسم الملك الصالح إدريس السنوسي ويوضع اسمه بديلا له بهذه الصورة الفجة .

إن هذا العمل الرخيص برغم رمزيته فإنه يدل على الاستمرار في السير على درب ابومنيار المليء بالحقد والجحود والنكران و المحاولات اليائسة لطمس التاريخ والمحاولات البائسة للتفريق بين الحركة السنوسية العظيمة وابنها البار عمر المختار. كما ان تلك الفقرة التي حُذفت من النشيد – في اعتقادي – هي الفقرة التي تغيض ذلك الدجال أبومنيار وزبانيته وأعوانه أما بقيت كلمات النشيد فقد لا تغيضهم كثيراً .

كانت تلك أول خطوة تمت بعد الثورة في ليبيا فيما يتعلق بالتعامل مع ملكنا الراحل رحمة الله عليه. و في جانب أخر كانت المحكمة الصورية التي أقامها الانقلابيون وأسموها محكمة الشعب والتي كان المدعي العام فيها هو المدعو عمر المحيشي ( الذي أصبح يوصف بالشهيد بعد ثورة 17 فبراير ) قد حكمت على الملك إدريس غيابياً بالإعدام وعلى زوجته الملكة فاطمة بالسجن وغرامة مالية وصودرت أموالهم ونهبت ممتلكاتهم كذلك الأمر بالنسبة لعدد كبير من الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة وكبار الضباط في العهد الملكي حكم عليهم ظلماً بالسجن وغرامات مالية بمدد وقيم متفاوتة ، وبعد ثورة 17 فبراير وسقوط حكم الدكتاتورية والاستبداد فإن المحكمة العليا الليبية بدلا من أن تقوم باعتبار تلك المحكمة الصورية غير قانونية وتبطل أحكامها الجائرة وتعيد الاعتبار لذلك الملك وأولئك الرجال الذين كانوا معه ( كما هو الشأن عند الصرب ) فقد اهتمت المحكمة العليا في ليبيا بإلغاء فقرة من قانون الزواج والطلاق تشترط موافقة الزوجة على زواج الرجل من امرأة ثانية هذا هو الموضوع الملح لدى الليبيين في نظر المحكمة العليا الليبية لذا فقد أصبح من أولى اهتمامات تلك المحكمة ! وكان السيد المستشار مصطفى عبد الجليل قد تحدث عن نفس الموضوع ( تعدد الزوجات ) في خطابه الشهير فيما عرف بيوم التحرير الذي لم يتطرق فيه ولا في أي خطاب له طيلة فترة ترأسه للمجلس الانتقالي إلى ذكر ذلك الملك الصالح ولا إلى الرجال الذين كانوا معه في تأسيس دولة ليبيا الحديثة ولا إلى الحركة السنوسية العظيمة ولا إلى العهد الملكي ورجالاته ومن الطريف أن ذلك المستشار قد وصف الليبيين بقلة الوفاء ! فأين هو بنفسه من الوفاء ؟

كما أن حكومة الكيب الراحلة لم تعتبر ذكرى تأسيس الجيش في 9 أغسطس عيداً وطنياً عملا بما سنه أبومنيار الذي ألغى الاحتفال بهذه المناسبة منذ استيلائه على السلطة .

هكذا تعامل الصرب مع مليكهم وهكذا تعاملنا نحن مع مليكنا برغم أنه وكما لا يخفى على أحد لا وجه للمقارنة بين سيرة وتاريخ وعهد ملكنا رحمة الله عليه وملك السرب الذي تحدثنا عنه.

إن من البديهي أن نقول أين بيتر الثاني من إدريس الأول ؟ لكننا في الوقت نفسه مع الأسف الشديد نقول أيضاً وأين نحن من الصرب ؟

أبوبكر الشكري

25 فبراير 2013

نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم ( 95 ) الصادر بتاريخ 3 مارس 2013 م . ص ( 9 ).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: