ناصر أحداش : مارغريت تاتشر … رأيي فيها زمان واليوم !!

مارجريت-تاتشر 

أول مرة أقف فيها خطيب في حياتي .. عمري وقتها 25 سنة ، وانا أحاول أن أخفي أرتباكي أمام عدد كبير من الناس في قاعة كبيرة أكاد أجزم بأنه لم يكن فيها مقعد واحد بدون جليس في جامعتي جلاسقو التي تخرجت منها …. أتذكر منها اليوم الأهم ” أن هذه السيدة تحاول إيقاف عجلة التطور التاريخي”  “أنها تدعم الجلاد ضد الضحية”  حصلت على تصفيق قوي عند نهاية كلمتي … لكن الواقع الذي اعرفه الآن أن ذلك التصفيق لم يكن “شطارة” مني بقدرما كانت القاعة مليئة كلها بخصوم السيدة تاتشر وهم كثر !!

كانت أول رئيس وزراء بريطاني يزور الكيان الصهيوني … الفلسطيني مهما كان عنوانه في نظرها أرهابي أو أرهابي محتمل !… المؤتمر الوطني الأفريقي الذي يناضل ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا هو منظمة أرهابية أيضاً !…  “لا تفاوض مع الإرهابيين” عبارة تاتشرية معروفة – ولو كانوا اصحاب قضايا التحرير الوطني – ولو كانوا من الجيران من الأيرلنديين – حسب تقييمها هي وتقييم حليفها السيد رونلد ريغن رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت.  

لكن الحقيقة … انهار النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، واصبح نلسون مانديلا الأرهابي رئيسا منتخبا لبلاده .. وتفاوض حزبها الذي قاده خلفها جون ميجر مع الجيش الجمهوري الأيرلندي ، والفلسطنيين اليوم أقرب من ذلك الوقت إلى هدفهم على الأقل من الناحية الجغرافية.

بصراحة .. لقد كنت أكرهها .. نعم أكرهها وانا طالب ليبي على حسابي الخاص في بريطانيا … لقد تمنيت موتها يوم فجر الجيش الجمهوري الأيرلندي جزء من الفندق الذي كان يعقد فيه اجتماع لحزب المحافظين في عام 1984 . كم أتذكر للأمانة .. أني حزنت عندما رأيتها حية ترزق عشية ذلك اليوم في الإعلام .. ولكن بصراحة أيضاً .. لا استطيع إنكار الشجاعة التي شاهدتها عليها .

لماذا كرهتها ؟

صدقوني ليس بسبب أنها رفعت تكاليف الدراسة اضعاف ما كنت أدفع للكلية ثم للجامعة ، وليس لأنها أوقفت إعطاء الجنسية البريطانية لمن ولد من الأجانب في بريطانيا منذ ينايرعام 1983… ولكن لأسباب اخرى .. لقد كانت تذكرني بلغتها واسلوبها الإنجليزي الجنوبي بموظفي شركة الهند الشرقية الإستعمارية التي كانت تحكم الولايات الهندية في القرن الثامن عشر .. بالقبعة والقفازات الزرقاء .. والعنجهية والغطرسة الرأسمالية الإستعمارية الإنجليزية وتفوق الأنسان الأبيض البريطاني الغني وليس حتى الفقيرعلى ما سواه من خلق الله. 

موقف آخر أذكره جيدا… كنت من رواد مكان جميل بل من اجمل المقاهي التي جلست فيها .. كان المكان قهوة ومطعم وسياسة .. ومعي اصدقاء ليبيين وعرب .. كان جلوسنا في مكاننا المعتاد في مواجهة باب الدخول.. في مدينة أدنبره عاصمة أسكتلندا .. بين نهاية شارع برنس أكبر شارع في المدينة وبداية طريق لوذيان وفجأة دخل الحرس وانتشر في كل مكان.. ودخلت السيدة مارغريت تاتشر التي كان في إستقبالها مجموعة من المسؤولين المحليين … صدقوني نظرت إليها نظرة قصدت أن يكون فيها إزدراء رأتها كلها .. لابد وأنها قالت في نفسها – إن قالت في نفسها أصلاً -… “عربي ويكرهني امر عادي” !.

لكن للسيدة مارغريت تاتشر أصدقاء من غير البيض من العرب الأغنياء فقط وكذلك من الهنود والباكستانيين الأغنياء فقط .. دائما الأغنياء أصحاب النفوذ فقط. 

كيف فازت في الإنتخابات..؟  الاغنياء معها بدون جدال … والفقراء ضدها بدون جدال أيضاً .. لكن الفقراء إما أنهم لا يهتمون بالإنتخابات أصلاً أو أن أصواتهم متفرقة بين الاحزاب الأخرى … بقيت الطبقة المتوسطة التي تصارع على اصواتها حزب المحافظين وحزب العمال .. الطبقة المتوسطة صوتت لها لأنها جعلت منهم ملاك بيوت وعقارات بقروض من البنوك والمؤسسات ، وبالطبع ارتفعت اسعار العقارات واصبحت سوق رائج أكثر من أي وقت مضى وفي نفس الوقت رأت تلك الطبقة فرصة للصعود مع تطور شمل كافة مجالات الحياة.

لقد قامت السيدة مارغريت تاتشر بتنفيذ سياسة خصخصة لا رحمة فيها في الثمانينات من القرن الماضي .. باعت مناجم الفحم .. باعت احواض بناء السفن .. باعت صناعة الحديد والصلب .. حتى البريد والإتصالات وحتى القطارات .. ارتفعت الربحية الحكومية وربحت الشركات المحلية والأوربية وحتى الأجنبية وربح رجال أعمال واصحاب المبادرات الفردية ، الأمر الذي تطورت من خلاله البلاد ورجعت لبريطانيا مكانتها في العالم بعد أن كانت مديونة لصندوق النقد الدولي .. لكن نسبة البطالة طارت إلى السماء … وزادت الفجوة في الأجور بين غني وفقير على نحو لم يحصل من قبل في المجتمع البريطاني… وزاد عدد الفقراء في احياء بكاملها إن لم نقل مدن في شمال أنجلترا وويلز واسكتلندا وإيرلندا… وتركت “قوى السوق ” – تعبير آخر من صناعة السيدة مارغريت تاتشر- هي التي تضع أسعار السوق ، وافترضت أنها هي التي ستعيد التوازن الإقتصادي لكل أولئك الذين خسروا من جراء الخصخصة ..  الأمر الذي لم يحدث أبدا…  المختصر… الاغنياء إزدادوا غنا والفقراء إزدادوا فقرا… الأمر الذي أنتج احتقان خرج في تظاهرات ومظاهرات واحتجاجات وإضرابات وحتى أعمال شغب وعنف ملاعب لم تعهده بريطانيا سابقا.     

إذا سمعت عن حفلة لسماع خبر موتها يوم 8 إبريل من هذا العام كن واثقا أنك في هذه المناطق التي ذكرت !!

مارغريت تاتشر طورت كل شيء في الدولة كان وراءه الأرباح المالية .. وتجاهلت كل شيء وراءه الخسارة المالية ، ولو كان ذلك على حساب المجتمع وسلامة بناءه … أهمية الفرد تستند أولاً وأخيراً على ما يجني للدولة من ربح له وللدولة … وإذا لم يجني الفرد الربح المطلوب منه فيجب أن لا يغادر موقعه فقط بل وإلغاء الموقع نفسه في معظم الأحيان.. المجتمع لا أهمية له إذا كان يخسر ، وإذا حقق الربح فإن هذا مرجعه إلى عمل الفرد كونه فرد وليس ضمن مجتمع . 

كانت مارغريت تاتشر أول مرأة  تصبح رئيس وزراء لبريطانيا في العام 1979… أول رئيس وزراء يفوز في ثلاثة أنتخابات عامة متتابعة .. كانت شجاعة ، صارمة ، لا تعرف التراجع ، صاحبة أخلاق فاضلة ، مخلصة لبلادها ، صاحبة رؤية مهما كان ثمنها ، وقيادة مهما كسبت من خصوم ، وحضور ولو كان عنيدا، سريعة البديهة إلى درجة غير عادية ، ولها كاريزما شخصية لا يمكن تجاهلها…

السيدة مارغريت تاتشر كانت تتحدث آخر الوزراء في حكومة إدوارد هيث وهي وزيرة للتعليم (1970-1974) ، وعندما تتحدث يستمع الجميع إليها … وعندما اصبحت رئيسة وزراء لا أحد من وزراءها يتحدث عكس ما تريد أن تسمعه… السيدة مارغريت تاتشر كانت لا تهتم إن احبها الشعب أم لم يحبها … وأتباعها أتباع إذا ساروا في الإتجاه الذي تقرره .  سماها الروس “المرأة الحديدية”. عندما تتحدث تجبرك بدون أن تشعر أن تركز على الكلمات ومحتواها .. تجبرك على أن تسمعها وكأنك تسمع رجل.

المرأة بطبعها حنونة قريبة من الضعيف قريبة من الفقير قريبة من المحروم … مارغريت تاتشر لم تكن كذلك … فهل خدمت قضية المرأة في بلادها أو قارتها ؟.. لا أعتقد ذلك ولست أنا وحدي من لا يعتقد ذلك.. بل أن كثير من أنصار وأتباع الحركة النسائية في بريطانيا نظر إليها على أنها عبء على تلك الحركة … لقد خدمت “المبادرة الفردية الرأسمالية” وليس الحركة النسائية … كنت دائما لا أجد اجابة كيف تعامل ابنها مارك وابنتها كارل داخل الأسرة… وأمهم رجال وأبيهم أم واحدة !!  

يعلمنا التاريخ أن الذي لا يأبه بتراكم الخصوم وحتى الأعداء لا يتورع عن شن الحروب … فشنت السيدة تاتشر حربها الإستعمارية على الأرجنتين (1982) من أجل جزر تدعي أنها بريطانية وهي على مرمى حجر من الأرجنتين .. وشاركت في مساندة الغارات الجوية على مدينتي طرابلس وبنغازي عام 1986 من أجل تخويف الآخرين وإرجاع هيبة حليفها السيد ريغن التي تمرغت في وحل لبنان حتى وأن قتلت الأبرياء في ليبيا.

ومع تراكم الخصوم … أنتظروا جميعا الخطأ … وحصل ذلك الخطأ الذي طال إنتظاره يوم أدخلت نظام للضرائب قادم من العصور الوسطى يحتسب الضريبة من خلال أعطاء الاهمية لعدد أفراد الأسرة أكثر من مساحة البيت .. أنقلبت الدنيا عليها في مجتمع فيه القوى السياسية منظمة وموحدة بمجرد أن تريد أن تكون موحدة ، وبالطبع وصلت هذه القوى إلى داخل حزبها نفسه ، في عقر دارها كما يقولون …

حتى أزاحها حزبها عام 1990 لتفادي الخسارة قبل إنتخابات عام 1992.  

هل مازالت أكرهها ؟    

بالطبع لا … لكني بالتأكيد لا أتفق معها وانا واثق أنني لن أتفق معها أبدا… هناك خلل ان يكون  أنسان ما سعيد ومجتمعه حزين …. وأن إستفادة مجموعة أو طبقة لا تعني إستفادة المجتمع … وأن المبادىء العظيمة ومنها القيم الدينية يجب أن لا يكون لها ثمن … هذا رأيي إن كان يهم غيري!

ناصر محمد احداش

13-04-2013

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: