شُكْري السنكي : فِي الذّكرى الثلاثين لرحيل سَلِيل الفاتِحين المَلِك إدْريْس المَهْدِي السّنوُسيّ فِي ذكرى وفاته

 

إهداء:

لا يصعد للمعالي وسلم المجد إلاّ الرجال الّذِيـن تهيئوا لمجابهـة الخطوب واقتحام المخاطر ومصارعة الأهوال والشدائد. ومِن أولئك الرجال، المَلِك الرَّاحل محَمّد إدْريْس المَهْدِي السّنوُسي الّذِي ولد فِي الجغبوب جنوب شرق مدينة طبرق بشرق ليبَيا يَوْم 20 رجب 1307 هجرِي الموافق 12 مارس / آذار 1890م وانتقل إِلى رحمة ربِه فِي القاهرة يوم الأربِعاء 13 شعبان 1403 هجرِي المُوافِق 25 مايُو / أَيَّار 1983م، وتمّ دفْن جُثْمانِه الْطَّاهِر فِي أَرض البقِيع الطَّاهِرَة.

لا يمتطي المجدَ مَنْ لم يركب الخطرا *** ولا ينالُ العلا مَنْ قدَّم الحذرا

أهدي هذه السطور إِلى روح السّيِّد إدْريْس السّنوُسيّ طيب الله ثراه بمناسبةِ الذّكرى الثلاثين لوفاته.

السّيِّد إدْريْس السّنوُسي صانع الإستقلال والأب المُؤسس للدولة الِلّيبيّة.. أبا الدستور.. المُؤمن الزاهد القنوع.. المُجاهد والسّياسي الحكيم الّذِي جَاوزْنَا بأنفاسِه المحن والكروب.

untitled

الملك إدريس في ليبيا

مُقَدِّمة (1)

فِي يوم 25 مايو / أَيَّار قبل ثلاثين عَاماً، طَوَى الزمان آَخر صفحة مِن سِجل تاريخ حياة المَلِك إِدْريْس السَّنوُسيّ الأب المُؤسس لِدَولَة لِيبَيا الحدِيثَة. نجح السّيِّد إِدْريْس السَّنوُسيّ فِي قِيادة المُجاهدِين وتوحِيد كلمتهُم.. ونجح كرجل سياسة فِي إِدارة مِلَف المُفاوضات ثمّ فِي إِدارة ملف القضيَّة الِلّيبيّة فِي أروقة الأمم الْمُتَّحدة. وقاد الجهاد الِلّيبيّ قرابة أَربعِين عاماً مِن داخِل لِيبَيا ومِن المُهجر بعدما أَضطَر لِذَلك، وأعتلى عرش البلاد بِرِضا شعبِه ومُوافقتِه وتشهد بيعات سُكَّان الأقاليم الثَلاثة على ذَلِك. وحقق لليبَيا بعد إِستقلالها فِي أَقل مِن (18) ثمانِية عشر عَاماً، مَا لم يكن يتوقعه أحد، قبل أن يخطف الإنقلابيّون فِي الأوَّل مِن سبتمبر / أَيلول مِن عَام 1969م زهرة شباب الأمّة الِلّيبيّة.

استلم المَلِك إِدْريْس السَّنوُسيّ البلاد بشعب منهك، وبلد مدمر، ودولة كانت تصنفها المُنظمات الدّوليّة ثاني أفقر دولة فِي العالم حيث احتلت اندونيسيا المركز الأوَّل. وفِي تلك الفترة العصيبة، أولى المَلِك إِدْريْس السَّنوُسيّ للتعليم الأهميّة القصوى، وأوصى وزرائه بوضع مشاريع قطاع التعليم فِي مُقدّمة البرامج التنمويّة للدولة. وبدأت حكومات الإستقلال بتوظيف كلِّ قرش استلمته كمعونة مِن الخارج فِي بناء المدارس والمعاهد وإعداد الكوادر التعليميّة مِن أجل تحقيق نهضة تعليميّة كانت لا ترى أنّ يتحقق خيراً حقيقياً للبلاد بدونها.

ومِن ناحيّة أخرى، فتحت حكومات الإستقلال أمام النَّاس أبواب التجارة على مصراعيه، وكفلت لهم حريّة الحركة والتنقل والمراسلة وإشراك الآخرين معهم عرباً وأجانب مِن أجل خلق إقتصاد وطنيّ ينهض بشّعبِ منهمك وبلد مدمر.

وَبِاختِصَار، كان عدد الخرّيجين فِي ليبَيا يوم إعلان إستقلالها فِي 24 ديسمبر / كانون الأوّل 1951م عشرة خرّيجين لم يكن بينهم طبيباً واحداً. ولم تكن فِي ليبَيا سوى مدرستين ثانويتين وخمس مدارس إبتدائيّة، وكان عدد التلاميذ لا يتجاوز ألفاً. وحينما استولى معمّر القذّافي (1942 – 20 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م) على السّلطة فِي سبتمبر / أيلول 1969م وجد بها: الجامعات، وآلاف المدارس، وعشرات المعاهد، وثلاثمائة ألف طالب وطالبة يذهبون إِلى المدارس، وأكثر مِن عشرة آلاف طالب وطالبة يدرسون فِي الجامعة الِلّيبيّة، وآلاف أخرى تدرس فِي أحسن الجامعات المصريّة والأوربيّة والأمريكيّة. ووجد أكثر مِن خمسة آلاف عنصر وطني مِن حاملي المُؤهلات العلميّة فِي مجالات وتخصصات مختلفة.

ولأن الِلّيبيّين قد خبروا…{.. معنى الفقر أكثر مِن غيرهم، فقد صنفهم تقرير البنك الدّوليّ عَام 1951م، على أنّهم أفقر شعب فِي العالم بلا منافس، وماتوا مِن الجوع عام 1949م – 1950م، وبدأوا مسيرة الإستقلال ديسمبر عَام 1951م، بشظايا شعب وهلاهيل دولة، ومع ذلك فإنّهم وقد سنحت لهم فرصة الانطلاق بالإستقلال، قد أنجزوا فِي سنوات قليلة قواعد إقتصاد مستقيم، ومشروع تعليم لم يسبق له مثيل وبنوا إدارة بالغة الكفاءة إذا ما قُورنت بكلّ الإدارات العربيّة حتَّى التي سبقتهم بعشرات السنين، كمَا بنوا نظاماً سياسيّاً جيداً كان يمكن أن يتطور إِلى نَّظام ديمقراطي أكثر اكتمالاً حتَّى وإن واجهوا فِي تطبيقه بعض العثرات.

فِي سنوات الخمسينيات والستينيات، كانوا الِلّيبيّون يملكون تجربة المحنة وخبرة المأساة، وهم يعيشون أحراراً فِي نظام متحضر كان قبل أن يجهضه إنقلاب عَام 1969م العسّكريّ، يسير نَحْو النمو والتطور مضيفاً إِلى نضجه كل يوم، وكانت أمام الِلّيبيّين كلِّ فرص القفز إِلى حضارة القرن العشرين ومَا بعده وإنجاز مكانة أفضل دولة فِي العالم الثالث… }م1

واليوم لا نُمارِي أَن نقول، أَن لِيبَيا فِي عهد المَلِك إِدْريْس رحِمَه اللَّه حققت إِنجازات تنمويّة كانت الأفضل فِي المِنطقة بِشهادة المُنظمات الدُّوليَّة والمُؤسسات العالمِيَّة المُهتمَّة بِهَذا الشَّأْن.. وحققت نهضة تعلِيمة لفتت انتباه العالم كله لا الِلّيبِيِّين والعرب فحسب.. وحققت الأمن والأمان لكل مواطن ومُواطنة، وكفلت العيش الكرِيم لكل أَبناء لِيبَيا وكافة مِن أَقامُوا فوق أَراضِيها.

أَي واللَّه حققت كل ذَلِك رغْم أَن المَلِك رحمه اللَّه، بدأ المسيرة فِي 24 دِيسمبر كانون الأَوّل مِن عام 1951م ببلد مُدمر وشعب نصف جوعان.

والحق الَّذِي لا مِرَاء فِيه، قد كرَّس السّيِّد إِدْريْس حياته مِن أَجل لِيبَيا وسعادة شعبِها، وكان نمُوذجاً فِي رِحلَة كفاحه، وكان فِي سُلوكه يعكس قيِّماً راقِية عظِيمة علَى المُستويين الشخْصِي والعام. ولم يُسجِّل عليه أَنَّه دخل فِي مُهَاترات مع أَحد أو دخل فِي دوائِر الغِيبة والنميمة أَو تحدِّث بِسُوء عن أيّ شخص أَو أنّه استغل موقعه فِي القضِيَّة لَيُصفِّي حِسَاباً شخصِيَّاً مع كائِن مِن كان، فَلا هُو كان مِن أَصحاب الأجِندة الشخصِيَّة الَتي يُغلفها أَصحابِهَا زوراً وبُهتاناً بالصَّالِح العام.. ولا هُو طَامع فِي السُّلْطَة فَينقاد وراء طَمُوحه لِيفتك بِكل من يُخالِفه فِي الموقف والرَّأْي. فقد حافظ رحِمَه الله على مسافة بينه بين كل خلاف كان ينشب بين الرِّفَاق وأَصحاب القضِيَّة الواحدة، وغلب المصلحة العامّة على كل مصلحة أُخرى. ولم يغذ أَيّ خِلاف كان دائراً بين الِلّيبيّين وقتذَاك ولا هُو انحاز فِي وقْت مِن الأوقَات لِصالِح طرف ضدّ طرف آَخر بل امتص الغضب والخلاف بكثير مِن الحكمة والحُلم فكانت شخصيته آَسِرَة وعندها كان يذوب كل خلاف ويذهب كل غضب إِلى حال سبيله. فهذا مَا أَهله بِأَن يكون الرَّمز محل الاتفاق، وتلك هِي صفات القائد وخير مَا يتحلَّى بِه الزّعيم إِذَا مَا صفت نيته، وخلا قلبه مِن كل حقد وضغينة.

وَأَخِيْراً، لم ينفرد السّيِّد إِدْريْس السَّنوُسيّ برأيه ولا طعن فِي شخصِ خالفه الرأي.. ولم يدين مِن سلك اجتهاداً غير اجتهاده، وطريقاً غير طريقه.. ولم يقلل مِن شأن أحد ولا عمره استهزئ بإنَسْانِ.. حفظ لسانه واجتنب كل حديث نهى الله سبحانه وتعالى عَن الخوض فيه.. ورفض الدنيا كلها فِي سبيل خدمة الوطن وأبنائه، فاستحق لقب (الزعيم) بجدارة واستحقاق. وهُو أوّل زعيم ليبي تتخطى زعامته حدود إقليمه، وأوّل زعيم ليبي يتقدم بمشروع وطنيّ يحمل آلام النَّاس وآمالهم حيث بايعه سكّان الأقاليم المختلفة ثلاثة بيعات مكتوبة معروفة. وهُو الأب المُؤسس للدولة الِلّيبيّة حيث لم يكن هنالك شيئاً إسمه (لِيبَيا) بمفهوم الدولة قبل إعلان الإستقلال مع نهاية عام 1951م، فلِيبَيا كحدود جغرافيّة ودولة مستقلة ذات سيادة لم يتمّ تأسيسها إلاّ حينما وقف المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ معلناً مِن شرفة قصر المنار فِي مدينة بّنْغازي، إستقلال لِيبَيا وقيام المملكة الِلّيبيّة المُتَّحدة فِي 24 ديسمبر / كانون الأوّل 1951م. وأيّ حديث لا يقر بهذه الحقيقة ويحاول فرض شيء غير ذلك وكأن الدولة الِلّيبيّة نشأت مُنذ قرون هُو حديث عاري مِن الصحة كونه يريد أنّ يفرض الحاضر على ماضي الزمان.

والمَلِك إدْريْس هُو الّذِي رفض بعْد إستقلال البلاد إطلاق صفة (العربيّة) على إسم الدولة الِلّيبيّة كمَا هُو جاري فِي عدد مِن البلدان آنذاك، واكتفى بإطلاق إسم (المملكة الِلّيبيّة المُتَّحدة) على إسم الدولة واضعاً فِي اعتباره التبو والطوارق وسكّان منطقة الجبل الغربي بليبَيا حيث ترجع أصول معظمهم إِلى الأمازيغيّة لا العربيّة، ولذا، حبذ أن تكون (الِلّيبيّة) هي الصفة الجامعة بين السكّان لأنّ (العربيّة) تخص مجموعة معينة ولا تخص سكّان كل البلاد، وإنّ كان العرب يشكلون غالبيّة سكّان ليبَيا. وهُو الّذِي أصر على مخاطبة الِلّيبيّين طيلة سنوات حياته بـ(الأمّة الِلّيبيّة)، ولم يستخدم كلمة (الشّعب) فِي مخاطبتهم، وهذا يدل على إيمانه الرَّاسخ بأن المكون الِلّيبيّ متنوع الأصول والأعراق والثقافات.. وعلى اعترافه بالاختلاف والتمايز الثقافي وإعطاء الأقليات الحق الكامل فِي ممارسة ثقافتها والتعبير عنها بالشكل الّذِي ترتضيه.

ولعلّ المَلِك إدْريْس السَّنوُسيّ مِن القلائل الّذِين حكمُوا المنطقة فِي عُهُوْدِ مَا بعد حكم الخلفَاء الرَّاشدين، وتركوا السُّلطَة دون أَن يُسجِّل ضدَّهم جرائم ومظالم وانتهاكات وإهدار فِي المال العامّ أَو التَّصرُّف بِه وكأَنَّه مال خاص. أَي والله، أَنَّه مِن القلائِل ورُبَّما يكاد يكون الوحيد الّذِي مر على المنطقة خلال المائة عَام الفائتة بهذا المستوى مِن الاسْتِقامة والحكمة والتَّقوى.

ذلك هُو المَلِك إِدْريْس الّذِي رحل عنا مُنذ ثلاثين عَاماً.. والّذِي كان نمُوْذجاً يُحْتذي بِه فِي التقوى والصلاح والتمسك بالفضيلة والتقالِيد كذلِك فِي الإنجاز والانفِتاح على الآخرِين.

رحم الله الإدريسي ذلك الوجه الطيب.. وجه لِيبَيا.. ووجه تاريخها الناصع.. وأبانا الّذِي لم نعرف أباً سواه (2).

المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي ذكرى وفاته

عينَ المَلِك محَمّد إدْريْس المَهْدِي السّنوُسيّ (1890م – 1983م) أخاه السّيِّد محَمّد الرّضا فِي 21 ديسمبر / كانون الأوَّل 1953م ولياً للعهد إلاّ أنّ الموت أدركه  مبكراً، وذلك فِي 29 يوليو / تموز 1955م، وبقى منصب ولي العهد شاغراً بعده لمدة سنة وأربعة شهور، حيث أعلن المَلِك رسميّاً عَن تعيين إبن أخيه السّيَّد حسن الرَّضا وليّاً للعهد بمرسوم صدر عَن قصر الخلد يوم 22 ربيع الثّاني 1376 هجري الموافق 25 نوفمبر / تشرين الثّاني 1956م .

قبل الأمير الحسن الرَّضا (1928م – 28 إبريل / نيسان 1992م) بمنصب ولايّة العرش احتراماً للملك وطاعة لأوامره، فلم يسع لهذا المنصب، ولم يسجل عليه يوماً أنّه دخل فِي صراعات مع أحد (جهات وأفراد) مِن أجل الحفاظ على هذا المنصب أو التمسك به.  

لم يكن الأمير الحسن الرَّضا محباً للظهور ولا محارباً مِن أجل البقاء فِي السّلطة، بل كان زاهداً ومجتنباً لدوائر الاستقطاب والصراعات رغم الإغراءات التي تعرض لها.. والعداوات الشرسة التي كان مبعثها الحسد لمركزه أو موقعه.

untitled(2)

الأمير الحسن الرضا في مصر

كان الأمير الحسن يحب المَلِك إدْريْس ولا يعصي له أمراً، وقد فوّض أمره إِلى الله فِي كثيرٍ مِن المؤامراتِ التي كانت تحاك ضدَّه. ورغم المرارة التي عاناها مِن بعض دوائر الخاصّة الملكيّة إلاّ أنّه لم يقم بالرّد عليها كمَا لم تدفعه هذه الأعمال وغيرها إِلى عقد أحلاف أو صفقات سياسيّة أو القبول بمشاريع عُرضت عليه ليستلم هُو الحكم بدلاً مِن عمّه !. وهي مشاريع موثقة، كان أهمها محاولة استقطابه فِي أكتوبر / تشرين الأوّل 1962م أثناء زيارته لواشنطن فِي الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة.

كان الأمير الحسن الرَّضا شريكاً فِي الإنجازات التي تحققت فِي العهد الملكي فقد أدّى واجبه كاملاً ومَا كان يتنازل عَن العرش لولا الإكراه والتهديد بالسّلاح رغم أنّه لم يطلب الولايّة ولم يسع إليها فِي يوم مِن الأيام.

كانت رحلة المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ إِلى..{.. اليونان ثمّ إِلى تركيا فِي صيف 1969م قد طالت كثيراً، وقد بعث هذا الغياب الطويل كثيراً مِن الارتياب والتساؤلات فِي دوائر الدولة العليا. وأذكر – والحديث للسّيِّد بشير السني المنتصر – أن السفير الِلّيبيّ فِي اليونان السّيِّد الطاهر القرامانلي قد بعث ببرقية إِلى رئيس الوزراء يقول فيها بأنّ انطباعاته بعْد مقابلته للمَلِك أنّه ينوي البقاء لفترة طويلة فِي الخارج، كمَا أنّه يفكر فِي إتخاذ إجراء دستوري لكنه لم يصارحه فِي الموضوع. وبَعْد فترة أرسل المَلِك إِلى رئيس الوزراء برقية يقول فيها بأنّه سيقوم بجولة فِي يوغسلافيا والنمسا وإيطاليا، ولهذا أرسل السيّد عُمر إبراهيم الشّلحي للتدارس معه حول هذه الزيارات. وفعلاً تقرر إعداد هدايا مِن المصنوعات الِلّيبيّة التقليديّة ليأخذها المَلِك معه إِلى رؤساء الدول وزوجاتهم فِي البلدان التي سيزورها، وكلف وزير الصناعة السيّد طارق الباروني بإعدادها، كمَا كلفت وزارة الخارِجِيّة بإتخاذ الإجراءات الرّسميّة بشأنها…}م2.

كان المَلِك إدْريْس وقت وقوع إنقلاب الأوّل مِن سبتمبر / أيّلول 1969م فِي اليونان، وفِي مقر إقامته بـ(كامينافورلا). وغادر المَلِك إدْريْس والملكة فاطمة الشفاء أحمَد الشّريف السّنوُسي (1911م – 3 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2009م) – اليونان إِلى مِصْر يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر / تشرين الأوّل 1969م، ولم يغادر المَلِك مِصْر مُنذ وصوله إليها حتَّى تاريخ وفاته فِي يوم 25 مايو / أيار 1983م إلاّ مرتين كانتا إِلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج.  

أجبر الإنقلابيّون الأمير الحسن الرَّضا على التنازل عَن العرش تحت تهديد السّلاح، ونُقل نص خطاب التنازل إِلى الِلّيبيّين عبر الوسائل الإعلاميّة الِلّيبيّة المختلفة.

بقى سمو الأمير الحسن ولياً للعهد مُنذ نوفمبر / تشرين ثاني 1956م إِلى سبتمبر / أيّلول 1969م أيّ إِلى وقت وقوع الإنقلاب بقيادة المُلازم معمّر القذّافي. تنازل الأمير الحسن الرَّضا ولي العهد عن العرش بعدما أجبره أحد أعضاء مجلس الإنقلاب على ذلك، وهذا مَا أكده السّيِّد محَمّد الحسن الرّضا إبن وليّ العهد فِي مقابلاته الصحفيّة.

untitled(3)

ولي العهد والرئيس كنيدي

قام الإنقلابيّون بإلقاء القبض على كافة الوزراء وكبار المسئولين فِي العهد الملكي، كذلك احتجاز كلّ ضبّاط الجيش مِن رتبة رائد فما فوق ووضعوهم فِي معسكرات الجيش تحت حراسة ضبّاط يحظون بثقة الإنقلابيين. ويذكر أن أرفع رتبة بين ضباط الإنقلاب أو مَا عُرف بـ(الضباط الأحرار) كانت رتبة (مُقدّم) وهي لموسى أحمَد، ولهذا تمّت ترقية المُلازم الأوَّل معمّر القذّافي بعد إنقلاب سبتمبر 1969م إِلى رتبة (العقيد) !!.

وَمِن جديد، وضع الضبّاط المحتجزون (المعتقلون) مِن المنطقة الشرقيّة فِي معسكر البركة بمدينة بّنْغازي ثمّ نُقلوا فِي يوم السّابع مِن سبتمبر / أيّلول 1969م إِلى مبنى الكليّة العسكريّة البعيد نسبياً عَن وسط المدينة وفقاً لرواية فتحي الديب (1923م – 7 فبراير / شباط 2003م) فِي كتابه: (عبدالناصر وثورة ليبَيا).  

ذكر فتحي الديب مبعوث جمال عبْدالناصر لإنقلابيي سبتمبر فِي ليبَيا..{..أنّ عدد المعتقلين ببنغازي بلغ (3) ثلاثة آلاف، وبطرابلس حوالي (1700) ألف وسبعمائة، ومنهم قلة مِن المصريين الّذِين كانوا يتعاونون مع بعض الِلّيبيّين المقبوض عليهم، أو المصريين الّذِين كانوا يشغلون مناصب إداريّة أو ماليّة وتحفظت عليهم السّلطات الِلّيبيّة.

وتمّ وضع جميع العناصر الموالية للمَلِك إدْريْس السّنوُسي فِي مكان واحد فِي بّنْغازي وطرابلس تحت حراسة ضبّاط التنظيم لضمان عدم قيامهم بأيّة إتصالات خارِجِيّة أو داخليّة مضادة.

وتمّ احتجاز ضبّاط الجيش ذوى الرتب الكبيرة فِي معسكرات الجيش تحت حراسة ضبّاط التنظيم، ولم يستثنى مِن الرتب الكبيرة سوى المقدّم آدم الحواز والمقدّم موسى أحمَد اللذين انضما للتنظيم قبل تفجير الثورة (الإنقلاب)..}م3.

وُعُوْدَاً على ذِي بَدْء.. استطاع المَلِك إدْريْس بإخلاصهِ ووطنيتهِ توظيف نعمة النفط التي وهبها الله تعالى لليبَيا فِي بداية ستينيات القرن المنصرم أنّ يجعل ليبَيا نموذجاً يحتدى به فِي التخطيط والعمران والبنية التحتية، ويجعل مِن عاصمتها طرابلس أجمل مدينة على حوض البحر المتوسط حيث سميت فِي منتصف الستينيات بـ(عروس البحر الأبيض المتوسط). كمَا استطاع أن ينقل ليبَيا مِن (نموذج الفقر) حيث كان دخل الفرد لا يتجاوز ثلاثين دولاراً فِي العام إِلى أنّ اقترب معدّله مِن معدّلِ دخل الفرد في الدول المتقدمة الغنية بدرجة جعل معدّل دخل الفرد فِي ليبَيا (3) يتأخر عن معدّلِ دخل الفرد في الدول الغنية سنتين فقط.

كان التسامح وحصر الصراعات السّياسيّة فِي دوائر القنوات الشّرعيّة المتاحة (برلمان وصحافة) مِن أهمّ سمات وخصائص العهد الملكي. فقد كان جيران ليبَيا يغبطونها على نعمة الأمن والاستقرار والعيش الكريم فِي وقت كان نموذج الزعيم الفرد والتجارب الاشتراكيّة تعصف بحياة وخبز أؤلئك الجيران. وكانت سجون العالم العربي تعج بأصحاب الرأي والمُعارضين لسياسات حكامهم، وكانت لِيبَيا آنذاك تعيش حياة آمنة مسالمة حيث غاب التنكيل والتعذيب والاعتقال خارج القانون.. كمَا كانت حالات الإعدام داخل السجون والمعسكرات، وصور الاغتيالات السّياسيّة فِي الشوارع والأماكن العامّة أمراً مألوفاً فِي بعض البلدان العربيّة بينما لم تحدث فِي ليبَيا حالة إعدام واحدة بسبب خلاف فِي الرأي أو الموقف، وحالة الإعدام الوحيدة التي جرى تنفيذها على امتداد سنوات حكم المَلِك إدْريْس، بسبب جريمة سياسيّة، هي إعدام: الشّريف محي الدّين السّنوُسي إبن عم المَلِك وإبن أخ الملكة فاطمة الشفاء، وذلك بعدما ثبتت إدانته أمام محكمة الجنايات فِي جريمة اغتيال السّيِّد إبراهيم أحمَد صَالح الشّلحي (1899م – 1954م) ناظر الخاصة الملكيّة. أدانت محكمة الجنايات بمدينة بّنْغازي الشّريف محي الدّين، وحكمت عليه بالإعدام لأنّه قتل نفس بريئة بغير حق، ونفذ حكم الإعدام الصّادر عَن المحكمة فِي يوم 6 فبراير / شباط 1956م.

وَمِن جديد، كانت ليبَيا فِي عهد المَلِك إدْريْس السّنوُسي بلد القانون ودولة المؤسسات، وكان دستورها يُعد مِن أرقى الدساتير فِي العالم آنذاك، فقد كانت دولة..” ..ناهضة منفتحة على الحضارة الحديثة، وآخذة منها بنصيب وافر..”، كمَا قال الأستاذ جهاد فاضل.

ولا شكّ، أنّ مرحلة العهد الملكي مِن تاريخ ليبَيا تضع..{.. المَلِك إدْريْس فِي مصاف الملوك الصالحين لأنّه كان تقياً ومُخلصاً ومتقشفاً وصاحب أخلاق إسْلاميّة بعدت به عَن سفاسف الأمور وعَن الفساد المالي حتَّى إنّه مات فقيراً رغم أنّه كان ملكاً وعلى رأس دولة نفطيّة ولم تكن له حسابات فِي أيّ بنك مِن بنوك العالم… ويوم ترك البلاد ووقع الإنقلاب لم يختر البقاء فِي اليونان أو أن يتجه إِلى أيّ بلد أوربي لكنه اختار أنّ يعيش بقية عمره فِي مِصْر وظلّ بالقاهرة حتَّى انتقل إِلى رحمة الله عام 1983م ودفن بالمدينة المنورة..}م4.

ومُنذ أواخر صيف عَام 1969م، دخلت البلاد فِي نفق مُظلم لم تتمكن مِن الخروج منه إلاّ بَعْد إندلاع ثورة 17 فبراير / شباط 2011م ومقتل معمّر القذّافي يوم 20 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م، ثمّ الإعلان عن سقوط نظامه وتحرير ليبَيا مِن ظلمه وطغيانه يوم الأحد 26 ذو القعدة 1432 هجري الموافق 23 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م.

والَّذِي يحزن بَعْد حدوث ثورة 17 فبراير، الاستمرار فِي النكران والجحود وعدم إرجاع الفضل إِلى أصحابه، والابتعاد عَن إطراء المَلِك إدْريْس والاعتراف بمكانته كأب مؤسس للدولة الِلّيبيّة !. لم يشر الإعلان الدستوري الصّادر يوم 3 أغسطس / أب 2011م عن المجلس الوطنيّ الانتقالي، إِلى تاريخ الشّعب الِلّيبيّ الفخم العظيم ولا إِلى دستور 1951م الّذِي توأم بين شرعيتين: الشرعيّة الوطنيّة المحليّة والشّرعيّة الدّوليّة المتمثلة فِي مباركة الأمم المتَّحدة لأعمال مندوبها والإقرار بما أنجزته الجمعيّة الوطنيّة الِلّـيبيّة وعلى رأس ذلك الدستور الصّادر عنها. ولم يذكر المُستشار مُصْطفى عبْدالجليل رئيس المجلس الوطنيّ الانتقالي يوم 23 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م فِي خطاب التَّحرير مِن نَّظام معمّر القذّافي، المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ والرجال الّذِين جاهدوا تحت رايته وأمرته، وحققوا الانتصار والإستقلال ثمّ انجزوا ونهضوا بشعب طحنته الحروب، وأنهكته ويلات العوز والفقر. ولم يقم المجلس الوطنيّ الانتقالي برئاسة المُستشار مُصْطفى عبْدالجليل والمؤتمر الوطنيّ العامّ برئاسة الدّكتور محَمّد يُوسف المقريَّف مِن بعده، بإلغاء الحكم الصّادر بحق الملك إدْريْس والملكة فاطمة الشفاء. فقد أصدرت المحكمة العسّكريّة الاستثنائيّة غير الشرعيّة التي سميت وقتئذ بـ(محكمة الشّعب) فِي مطلع عَام 1971م، حكماً غيابياً على الملك إدْريْس يقضي بإعدامه رمياً بالرصاص ومصادرة أملاكه، وعلى الملكة فاطمة الشفاء بالسجن لمدة خمس سنوات ومصادرة أملاكها.

كذلك، بدل مِن أنّ ترد الجهات الرَّسميّة بعد ثورة 17 فبراير المجيدة الاعتبار إِلى الملك إدْريْس السّنوُسي، وتبذل جهداً حقيقياً مِن أجل تثبيت النشيد الوطنيّ بنصه كاملاً، رأيناها تحذف الفقرة الخاصّة بالسّيِّد إدْريْس سليل الفاتحين مِن النشيد الوطنيّ دون وجه حق، وبلا تخويل مِن أحد أو إجراء استفتاء عام. ورأينا تلك الجهات تحجم عَن تقديم أيّ اقتراح يرد الاعتبار للملك، كتسمية أحد الشوارع الرئيسيّة أو الميادين الهامّة أو المطارات بإسمه أو وضع صورته على العملة الِلّيبيّة الجديدة كمَا فعلت مع شيخ الشهداء عُمر المختار (1861م – 1931م) الَّذِي حارب تحت رايته وقيادته. فقد تجاهلت الجهات الرَّسميّة تاريخ الملك إدْريْس السّنوُسي وتحاشت ذكر أسمه بل شطبته مِن النشيد فٍي تزوير فاضح، وموقف أقرب إِلى فعل الإنقلابيين منه إِلى فعل الثوار الّذِين يفترض أنهم ثاروا مِن أجل الحق والعدل ورد الحُقُوق إِلى أصحابها.

وَمِن المُحزن أيْضاً أن قوى المُعارضة الوطنيّة التي عارضت نَّظام معمّر القذّافي مِن الخارج، والتي شارك جزء منها فِي المجلس الوطنيّ الانتقالي والمكتب التنفيذي الّذِي تزعمه الدّكتور محمود جبريل، ثمّ فِي الحكومة الانتقاليّة برئاسة الدّكتور عبدالرحيم خالد الكيب وبعدها المؤتمر الوطنيّ العامّ والحكومة المؤقتة برئاسة السّيِّد علي زيدان، والّذِين طالبوا فِي مؤتمر المُعارضة الِلّـيبيّة بلندن فِي صيف 2005م بتنحي معمّر القذّافي عَن السّلطة والعودة إِلى شرعيّة دستور 1951م الصّادر فِي السّابع مِن أكتوبر / تشرين الأوَّل 1951م، نكثوا العهد الّذِي قطعوه على أنفسهم وتخلوا بالمطلق عَن ذلك بمجرَّد مشاركتهم فِي الهياكل القياديّة التي ظهرت بعْد إندلاع ثورة 17 فبراير / شباط 2011م. هؤلاء الّذِين تخلوا عَن مطالب مؤتمر لندن فِي صيف 2005م، كانوا قد أكدوا فِي دورتي المؤتمر الوطنيّ للمُعارضة الِلّـيبيّة على التمسك بدستور 1951م بتعديلاته اللاحقة والعودة إِلى شرعيته. أكد المؤتمرون فِي لندن بأن الدساتير تعدل ولا تلغى، وتعديلها يتمّ وفق الآلية المنصوص عليها فِي مواد الدستور، والتي يجب التقيد بها واحترامها. وأكدوا أن الشرعيّة تتواصل ولا تنقطع، والدساتير تُعدل وتُطور وفق ما تمليه المصلحة الوطنيّة وتفرضه تطورات العصر ولا تلغى بمزاجيّة أو بجرة قلم. بل ذهبوا إِلى أكثر مِن ذلك فأكدوا بأن الملكيّة هي جزء مِن دستور 1951م وبالتالي هي جزء مِن الشّرعيّة الدّستوريّة فلا يجوز المساس بها إلاّ مِن خلال قنوات شرعيّة تمثل الشّعب تمثيلاً حقيقياً وتحوز على ثقته وبعد ذلك يصبح التعديل المرغوب فيه جائزاً.

هذه النخبة التي شاركت فِي المؤسسات التي ظهرت بعْد إندلاع ثورة 17 فبراير / شباط 2011م، اخذتها الأضواء وفرحة الكرسي ومحبة السّلطة والانشغال بهُمُومها، فنست مَا كانت قد تعهدت به وأكدت عليه فِي الدورة الأولى للمؤتمر الوطنيّ للمُعارضة الِلّـيبيّة المنعقدة بين يومي 25-26 يونيه / حُزيران 2005م، والدورة الثّانيّة المنعقدة بين يومي 29-30 مارس / آذار 2008م.

ولابُدّ أن أذكر هُنا أن السّيِّد على زيدان رئيس الحُكُومة المؤقتة ومن قبلِه الدّكتور عبْدالرَّحيم الكيب رئيس الحُكُومة الانتقاليّة كانا قد ذكرا فِي أكثر مِن خطاب لهما مزايا المَلِك إدْريْس الكريمة وصفاته النبيلة وسجاياه العظيمة ولكنهما لم يترجما أقوالهما إِلى أيّ خطّوات عمليّة أو قرارات. ولعلنا ندلل على الخطّوات العمليّة بما صدر مؤخراً عَن مفوضية الاتحاد الإفريقي مِن قرارات خلال اجتماعاتها بأديس أبابا العاصمة الإداريّة والرّئيسيّة للإتحاد الأفريقي . قامت مفوضيّة الاتحاد الإفريقي يوم الإثنين الموافق 27 مايو / أيار 2013م، بإدراج صورة المَلِك الرَّاحل إدْريْس السّنوُسيّ ضمن صور الآباء المؤسسين للمُنظمة التي تُزين الجدران الخارِجِيّة للقاعة الرّئيسيّة بمقر مفوضيّة الإتحاد الإفريقي. وقال الأستاذ محفوظ رجب ارحيم مدير الإدارة الإفريقيّة بوزارة الخارِجِية الِلّيبيّة فِي تصريح لمُوفِد (وكالة الأنباء الِلّيبيّة) بأديس أبابا مَا يلي:..”.. إنّ إدراج صورة المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ ضمن صور الآباء المؤسسين لمُنظمة الوحدة الإفريقيّة، هُو إنصاف ووفاء مِن قادة الاتحاد الإفريقي تجاه روح المُناضل إدْريْس السّنوُسيّ الّذِي ساهم مع رفاقه الأفارقة فِي تأسيس مُنظمة الوحدة الإفريقيّة التي رأت النور فِي عَام 1963م..”. وأضاف ارحيم قائلاً:..”.. أنّ الاتحاد الإفريقي المُكون مِن (52) أثنين وخمسين دولة، قامت مفوضيته بإدراج إسم المَلِك الرَّاحل إدْريْس السّنوُسيّ وشيخ المُجاهدين عُمر المختار ضمن قائمة بعشرات الشخصيّات المستهدفة بالتكريم خلال السنوات القادمة..”.

ومِن المفارقات، أن الهياكل الرسميّة التي تكوّنت بعد ثورة 17 فبراير والتي تجاهلت الشّرعيّة الدّستورية المتمثلة فِي دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة.. وحذفت الفقرة الخاصّة بالسّيِّد إدْريْس مِن النشيد الوطنيّ.. وامتنعت عَن الاعتراف بالمَلِك إدْريْس كأب مؤسس للدولة الِلّيبيّة، هي نفسها التي أقرت – وبمحض إرادتها ! – قانون العزل السّياسي الّذِي صدر عَن المؤتمر الوطنيّ العامّ في إجتماعه العادي الخامس والثمانين المنعقد يوم الأحد الموافق 5 مايو / أيار 2013م. والّذِي أقر منع كلّ مَنْ شارك وساند معمّر القذّافي فِي إنقلابه المشئوم وكلّ مَنْ تولّى مناصب عليا ووظائف حساسة فِي دولته مِن تاريخ إنقلابه فِي الأوَّل مِن سبتمبر / أيّلول 1969م وحتَّى تاريخ تّحرير البلاد مِن نظامه فِي 23 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م.

أذكر هذه المفارقة لأن الله سبحانه وتعالى هُو الّذِي انتقم لروح الملك إدْريْس الزّاهد العابدـ فالمَلِك يرحمه الله لم يرد يوماً على نكران الجميل والأقاويل المجحفة فِي حقه واتهامه ظلماً وبهتاناً بالعمالة والخيانة، وفوّض أمره إِلى الواحد القهار امتثالاً لقوله تعالى فِي كتابه العزيز فِي الآيّة 44 – 45 مِن سورة غافر: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا).

وهذا، يقودنا إِلى ذكر قصّة وقعت فِي فترة وجود المَلِك فِي القاهرة فقد اشترى سيدي إدْريْس قبران واحد له والأخر للملكة فاطمة فِي (مقبرة أبورواش) قبل أن يلتقي بالمَلِك خالد بِن عبْدالعزيز آل سعود بعْد موسم الحج فِي عَام 1977م وحصوله على وعد منه يقضي بسماح السّعوديّة متى حانت المنيَّة لجسده الطاهر أنّ يدفن فِي أرض البقيع الطاهرة. وهذا القبر منحه الملك إدْريْس إِلى السّيِّد محَمّد السّيفاط أبوفروة البرعصي أحد مؤسسي (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) الّذِي أنتقل إِلى رحمة الله يوم 21 ذي الحجة 1402 هجري الموافق 8 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1982م ودفن فِي القبر الّذِي كان المَلِك قد اشتراه لنفسه قبل أن يلتقي بالمَلِك خَالِد ويعده بأن يُدفن متَى حانت المنيَّة فِي الرَّبوة فِي جنّة البقيع.

وَالَّذِي حدث، أن المَلِك إدْريْس كان قد طلب مِن خادم مقبرة أبورواش على أن يأتي بأحد الخطاطين ويكتب على الحائط خلف قبره الآيّة الكريمة رقم (38) مِن سورة الحج والتي تقول: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ). وبالفعل، استجاب الله سبحانه وتعالى لطلبه وتكفل بالدَّفاع عنه والانتقام مِن ناكرين الفضل والمتقولين عليه.

أعُوْد بَعْد هَذا الاسْتِطْراد مُجدَّداً إِلى إنقلاب الأوّل مِن سبتمبر / أيّلول مِن عام 1969م، فقد دخلت البلاد بعْد هذا الإنقلاب المشئوم فِي دوائر الظلم والتسلط وتردي الأوضاع على كافة المستويات السّياسيّة والإقتصاديّة والاجتماعيّة. شكّل الإنقلابيون مجلساً مكوناً من (12) أثنى عشر ضابطاً، وهُو المجلس الذي أطلق عليه اسم (مجلس قيادة الثورة) على غرار النموذج المصري الناصري. تشكل المجلس برئاسة معمّر القذّافي، وعضوية كل من:  

النقيب عبْدالسّلام أحمد جلود.. النقيب مُصْطفى الخروبي.. النقيب الخويلدي محَمّد الحميدي.. النقيب محَمّد مختار القروي.. النقيب محَمّد نجم.. النقيب عبْدالمنعم الطاهر الهوني.. النقيب بشير الصغير هوادي.. النقيب أبوبكر يونس جابر(1940 – 20 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م).. الملازم أوّل أمحمد أبوبكر المقريَف (قُتل فِي حادث سير مُدبر بتاريخ 21/8/1972م).. الملازم أوّل عوض علي حمزة.. الملازم أوّل عُمر عبدالله المحيشي (قُتل بعد أن سلمته المغرب لنظام القذّافي بعْد فترة مِن توقيع إتفاقيّة وجده فِي صيف 1984م).

تولي معمّر القذّافي رئاسة مجلس قيادة الثورة، وعُيِنَ الدّكتور محمود سُليْمان المغربي (1935م – 17 يوليو / تموز 2009م) رئيساً لمجلس الوزراء، وفِي العاشر مِن سبتمبر / أيّلول، أصدر الإنقلابيّون قراراً يخول مَا يُسمّى (مجلس قيادة الثورة) متابعة ملف المعتقلين (المحتجزين) دون أيّ تدخل مِن رئيس الوزراء أو مجلسه.

وبِالْخُصُوْص، ورد فِي كتاب: (عبْدالناصر والثورة الِلّيبيّة)، لفتحي الديب، مَا يلي:..{.. وضح وبشكلِ قاطع أنّ جميع إجراءات التحقيق والإفراج عَن المعتقلين تتم بمعرفةِ مجلس قيادة الثورة دون أيّ تدخل مِن رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء، الأمر الّذِي كان له وقعة على نفسيّة محمود المغربي وشل قدرته على التحرَّك فِي هذا المجال..}م5.

جمع الإنقلابيّون مِن خلال مَا يُسمّى (مجلس قيادة الثورة) فِي أيديهم السّلطات التشريعيّة والتنفيذيّة، ونصّ إعلانهم الدستوري على أن القرارات التي تصدر عَن مجلسهم أو التدابير التي يتخذها تكون غير قابلة للطعن ولا يجوز رفضها أو معارضتها مِن أيّ جهة. فقد نصّت أحدى فقرات المادة (18) مِن الإعلان الدستوري الصّادر فِي 11 ديسمبر / كانون الأوّل 1969م، على مَا يلي:..(.. لا يجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة مِن تدابير أمام أيّ جهة..).

تعرض رجالات العهد الملكي لمعاملة قاسيّة مهينة، وبعْد فترة مِن احتجازهم (إعتقالهم) عرضوا على محكمة تصدَّر منصتها صبية مِن أعضاء الإنقلاب لا علم ولا خبرة لهم، ولا مكانة لأعمار النَّاس ومقاماتهم فِي تقديرهم، علاوة، على عنجهية الجاهل الوصف الأنسب والأدّق لهم، وقد وضع الصّحفي المخضرم محَمّد حسنين هيكل هذا الوصف فِي صورة مخففة حينما وصف أعضاء الإنقلاب للرئيس جمال عبْدالناصر (1918م – 28 سبتمبر / أيلول 1970م) بعْد لقائه بهم فِي القنصليّة المصريّة فِي وقت متأخر جداً مِن ليلة الإنقلاب الأولى، فقال هيكل:..”..يا ريس، مشكلتك أنهم رجالك.. فأنت الآن أمام شباب بريء إِلى درجة محرجة، ورومانسي إِلى درجة خطرة..”.  

ومجدّداً، مكث المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ والملكة فاطمة الشفاء فِي اليونان شهرين كاملين، واستقر رأي المَلِك بعد تفكير طويل ومراجعات أن يذهب إِلى مِصْر ويعيش فيها بقية العمر متوكلاً على الله خير حافظ حيث وضع وراء ظهره احتماليّة مخادعة النَّظام المصري له خصوصاً أنّ الرئيس جمال عبْدالناصر رمى بكل ثقله وأفضل خبرائه ومستشاريه لدعم الإنقلاب – ومُنذ يومه الأوّل – بغية تأمين نجاح الإنقلاب وضمان استقراره واستمراره.

وخلال فترة وجود المَلِك فِي مقر إقامته بـ(كامينافورلا)، بعث الرئيس جمال عبْدالناصر رسالة شفهيّة إليه حملها إليه السفير المصري فِي اليونان وقتذاك. بَعْد هذه الرسالة الشفهيّة، أرسل الملك إِلى عبْدالناصر رسالتين، وبعْد رسالته الثانيّة فِي منتصف شهر أكتوبر / تشرين الأوّل قرر المجيء إِلى مِصْر والإقامة فيها. وذكر فتحي الديب بخصوص هذه الواقعة، مَا نصّه:..{.. تلقيت رسالة مِن السيّد سامي شرف سكرتير الرئيس فِي العشرين مِن أكتوبر / تشرين الأوّل يخطرني فيها بوصول رسالتين مِن الملك إدْريْس السّنوُسي وحرمه عَن طريق سفير مِصْر بأثينا، وأنّ جمال عبْدالناصر أمر بإرسال صورة مِن الرسالتين إليّ لأعرضهما على العقيد معمّر القذّافي للإطلاع عليهما ولإحاطته علماً بأنّ الرئيس جمال عبْدالناصر يرى أن الموافقة على حضور الملك إدْريْس للإقامة بالقاهرة حسب طلبه (4) أمر هامّ يخدم إحكام السّيطرة على الموقف وإبعاده عن أيّ تأثير أمريكي أو بريطاني لاستغلاله فِي إثارة القلاقل.

أطلعتُ العقيد على الرسالتين قبل سفري للقاهرة فِي الثّاني والعشرين مِن أكتوبر / تشرين الأوّل، وناقشت معه أهميّة إقامة الملك بالقاهرة.. واقتنع العقيد تماماً برأي الرئيس جمال عبِدالناصر..}م6.

أَبحر المَلِك إِدْرِيْس السُّنوُسي والملكة فاطمة الشّفاء مِن اليُونان إِلى مِصْر يوم الجمعة الموافق 31 أُكتوبر 1969م، ووصلا إِلى مِيناء الإسكندرِيَّة يوم الأحد الموافق 2 نوفمبر / تشرِين الثاني 1969م، وكان إِلى جانب المَلِك كلاً مِن: عبدالله عبْدالكرِيم البرعصي (توفي بطبرق يوم 19 يونيه / حُزيران 2011م) ياوره الخاصّ وإِدْرِيْس أَحمَد بِوسيف سكِرتِيرِه، وكانت إِلى جانب المَلِكة هدلا الأيُّوبِي سكِرتِيرتِها الخاصَّة وبعض الأشخاص القائِمين على خِدمة المَلِك والملكة.

وكان فِي استقبال المَلِك والملكة عند وصولهِما إِلى مِيناء الإسكندريَّة بعض الرَّسميِّين والأصدقاء المصرِيِين. ولم تكن السَّيِّدة سحر الرِّفاعي وابنتهما سُليمة فِي استقبالهما كمَا قَال هيكل وآَخرِين. فالسّيِّدة سحر كانت قد اتَصلت بِسفارة بلدها فِي طرابُلُس (السفارة الأردنيَّة) بَعْد أَيَّام مِن وُقوع الإنقِلاب، وقد تمكَّن السفير الأردني بِدوره بنقلها إِلى مبنى السِفارة أَوَّلاً ثُمّ تسفيرها إِلى عمّان. أَمَّا سُليمة فقد تركت وحدها ولم تتمكن مِن مُغادرة لِيبَيا بَعْد رِسَالَة عبْدالناصِر الأولى لِلإِنقلابِيِّين ولم يأْتِيها السفير المصرِي بطرابلس ليُؤْمِن عملية خروجها إِلاّ بَعْد أَيَّام مِن رِسَالَة عبْدالناصِر الثَّانيّة، ولم تصل إِلى القاهرة إِلاّ فِي يوم 11 نوفمبر / تشرِين الثَّانِي والمَلَك كان قد وصلها فِي اليوم الثَّانِي مِن نفس الشَّهر.

غَادَر المَلِك مِيناء الإسكندريَّة إِلى قصر (الصَّفا) فِي سموحة بِالإسكندريَّة، وقضى وقتاً بِقصر الصَّفا إِلى أَن أَتمَّت السُّلطات المصريَّة تجهيزات مقر إِقامته بالقاهرة.

وصَل المَلِك إِدْرِيْس والملكة فاطمة فِي اليوم السَّادِس أَو السَّابِع مِن شهر نوفمبر / تشرِين الثَّانِي إِلى مقر إِقامتهما المُخصَّص لهما بِالقاهِرة، ووصلت سُليمة إِليهما يوم 11 نوفمبر / تشرِين الثَّانِي 1969م قادمة مِن طرابلُس بَعْد أَن فك الإِنقلابيّون أَسرِها.

وبِاختِصَار، خصص الرَّئيس جمال عبْدالناصِر مسكناً للمَلِك يليق بِمقامه – قصر يقع بِشارع بُولُس حِنّا بجوار مُستشفى الشبراويشي بِالدّقي / القاهِرة. وخصص عبْدالناصر كذلِك فيلا بِجِوَار القصر المخصص للمَلِك كمقر لإِقامة عبدالله عبْدالكريم ياور المَلِك، وإِدْرِيْس بِوسيف سكرتِيرِه الخاصّ.

وَالشَّاهِد، غادر المَلِك والملكة اليونان إِلى مِصْر على متن سفينة يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1969م، ووصلا إِلى ميناء الإسكندريّة يوم 3 نوفمبر / تشرين ثاني 1969م. دخل الملك إدْريْس السّنوُسي إِلى القاهرةِ فِي يوم 3 نوفمبر / تشرين ثاني 1969م، وأقام هُو وزوجته وسُليمة البنت التي تربت فِي كنفهما كضيوف على الحكومة المصريّة فِي قصر السلطان بحي الدّقي بالقاهرة. حاول معمّر القذّافي بكلّ الوسائل إقناع الرئيس جمال عبْدالناصر وأجهزة نظامه بترحيل المَلِك إدْريْس مِن مِصْر وإرجاعه إِلى ليبَيا إلاّ أنّ عبْدالناصر رفض ذلك رفضاً قاطعاً. وبعدما رفض عبْدالناصر طلبه، شكل فِي 26 أكتوبر / تشرين الأوّل 1969م محكمة عسّكريّة استثنائيّة سميت بـ(محكمة الشّعب) لمحاكمة رجالات العهد الملكي، وكُلّف أحد أعضاء مَا يُسمّى بـ(مجلس قيادة الثورة) برئاسة تلك المحكمة. ومحكمة الشّعب هي محكمة خارجة عَن القانون، وقد حكمت فِي مطلع عام 1971م على مائتين وعشر (210) رجل مِن رجالات العهد الملكي بأحكام مختلفة (5)، وقد قُسِمَ رجال العهد الملكي الّذِين حوكموا أمام هذه المحكمة إِلى خمس مجموعات، وكل مجموعة أخذت قضيتها اسم معين. وكان المَلِك إدْريْس ضمن المجموعة الثّانيّة التي حوكمت فِي قضيّة (القصور الملكيّة والعائلة المالكة)، وضمّت هذه المجموعة (22) اثنين وعشرين شخصاً، وقد صدرت بحقهم أحكام متفاوتة، وكان مِن ضمن الأحكام الصّادرة بحقهم، حكم يخص المَلِك إدْريْس، وآخر يخص زوجته الملكة فاطمة الشفاء بنت المجاهد الكبير أحمَد الشّريف. حكمت هذه المحكمة غير الشرعية حكماً غيابياً على المَلِك إدْريْس يقضي بإعدامه رمياً بالرصاص ومصادرة أملاكه، وعلى الملكة فاطمة الشفاء بالسجن لمدة خمس سنوات ومصادرة أملاكها.

ويذكر، أن جمال عبْدالناصر كان قد التزم بواجب حمايّة وضيافة الملك إدْريْس السّنوُسيّ، والتزام عبْدالناصر..{.. بواجب الرعايّة حال دون انتهاك حق الملك إدْريْس كلاجئ سياسي فِي مِصْر. ولم يكن بالمستطاع تنفيذ الحكم، فقامت ضدّه بضع مظاهرات مدبرة فِي القاهرة، إلاّ أنّ الشرطة المصريّة سارعت إِلى إخمادها وطرد مدبريها..}م7.

وَبَعْد فشل الإنقلابيين مع جمال عبْدالناصر، كرر هؤلاء المحاولة بعْد وفاته فِي 28 سبتمبر / أيّلول 1970م مع محَمّد أنور السَّادات (1918م – 6 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1981م) الّذِي تولى رئاسة الجمهوريّة في 17 أكتوبر / تشرين الأوّل 1970م. ولكن، الرئيس السَّادات صد كلِّ المحاولات، وتعامل مع المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ بتقدير وحبّ ووفاء منقطع النظير.  

ورُبّما، مِن المُفيد الإشارة فِي هذا السياق إِلى قصّة طلب أحد ضبّاط الإنقلاب مِن الرئيس السَّادَات، السماح لهم بالتحقيق مع المِلِك إدْريْس.

untitled(4)

الملك إدريس والرئيس السادات في مصر

طلب أحد أعضاء مَا يُسمّى بمجلس قيادة الثورة – ومِن المرجح أن يكون الرَّائد عبْدالسّلام جلود – مِن الرئيس أنور السَّادات فِي مطلع عام 1971م – وقبل أيّام قليلة مِن أصدر الإنقلابيين لحكم محكمتهم القاضي بإعدام الملك إدْريْس – أن تسمح السّلطات المصريّة لفريق مِن الِلّيبيّين مكلف رسميّاً بالتحقيقِ فِي خيانات وجرائم ارتكبها الملك إدْريْس فِي حق الِلّيبيّين فِي فترة حكمه لليبَيا كمَا أدعى عضو المجلس بكلِّ وقاحة وسفاهة وظلم وبهتان كبير. ابتسم الرئيس السَّادات، وبالأحرى ضحك، وقال:..”.. طيب، خليني أعرض الأمر على صاحب الشأن، وأشوف رأيه أيّه..”.

وَفِي مساء نفس اليوم، اتصل الرئيس السَّادات بالمَلِك إدْريْس تلفونياً فِي مقر سكنه فِي قصر السّلطان بحي الدّقي، وتبادل معه التحيّات والسّلام، ثمّ قال، وهُو يضحك:..”.. تعرف يا مولاي، حصل إيّه النهارده !؟..”. فقال المَلِك:..”.. إن شاء الله خير، يا فخامة الرئيس، طمئني.. حصل إيّه !؟..”.  

قال الرئيس السَّادات:..”.. كن مطمئناً يا مولاي ولا تنزعج، بس النهارده، أتصل بيه، وأحد مِن عيال الثورة ابتاع ليبَيا، وطلب مني، السماح لفريق مِن الِلّيبيّين مبعوثين مِن محكمتهم لغرض التحقيق معك، فقلت له، وأنا أضحك: طيب..خليني أعرض الأمر على صاحب الشأن “!؟.

وهُنا، قاطع المَلِك إدْريْس، الرئيس السَّادات، قائلاً:..”.. أنا موافق يا فخامة الرئيس على هذا الطلب..”.

رد الرئيس السَّادَات، على الفور، قائلاً:..”.. أرجو ألا تكون يا مولاي قد فهمت الموضوع على نَحْو لم أقصده، وأنا، لن اسمح لأحد أن يؤذيك حتَّى بالكلام، ولن أسمح للعيال دُول الاقتراب مِن مقامكم الطاهر الشّريف..”.

فقال المَلِك:..”.. أشكرك يا فخامة الرئيس على موقفك وكرمك معي، ولكن، بالفعل، أتمنى أن يأتي هؤلاء ويحققوا معي، حتَّى اعرف مَا هي القرائن والأدلة التي يمتلكونها ضدَّي، فإنّ قدموا ليّ ما يثبت إدانتي وعجزت عَن الدَّفاع عَن نفسي، فسوف أعود معهم وأرضى بالحكم الّذِي سيصدرونه ضدَّي..”.

ثمّ رد الرئيس السَّادَات، مؤكداً، فقال:..”.. أرجوك يا مولاي تنسى مَا دار بيننا، ودعني أطمئن على صحتك أكثر، فكيف صحتك الآن ؟..”.

قال المَلِك:..”.. كمَا سبق وأن قلت لك، يا فخامة الرئيس، الصحة بخير ولله الحمد، والأهمّ بالنسبة ليّ الآن، أن تتكرم وتسمح لهؤلاء أن يأتوا ويحققوا معي.. سأكون، يا فخامة الرئيس، سعيداً لو تمّ هذا الأمر، فأنا مستعد للقاء هؤلاء، وفي انتظارهم، بتاريخ كذا، وفي هذا التوقيت..”.

وقد حدد المَلِك، التاريخ والساعة للرئيس السَّادات.

أبلغ الرئيس السَّادات، عضو الإنقلاب بموافقته على الطلب، وقال له:..”.. المَلِك ينتظركم فِي اليوم الفلاني، في الساعة كذا..”.  

وفِي اليوم المحدد، لم يصل أحد إِلى القاهرة، وظلّ المَلِك إدْريْس ينتظرهم فِي مقر سكنه حتَّى اتصل به الرئيس السَّادَات تلفونياً، وقال له:..”.. لا يبدو أن أحداً منهم سوف يأتي إليك يا مولاي، ويبدو أن موافقتك على الطلب فاجأتهم وأحرجتهم، والآن، أنا أدركت، يا مولاي، الحكمة مِن وراء موافقتك على هذا الطلب.

واعتقد، يا مولاي، مَا حدث درس لابُدَّ أن يتعلم هؤلاء منه شيئاً مفيداً أو يفيدهم، رغم أنّني أشك فِي مقدرة هؤلاء على التعلم أو الاستفادة مِن الدروس والعبر..”.

وعلى أيّ حال.. مُنذ تولّي محَمّد أنور السَّادات فِي 17 أكتوبر / تشرين الأول 1970م رئاسة مِصْر بعْد وفاة الرئيس جمال عبْدالناصر، منحت جمهوريّة مِصْر العربيّة إِلى المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ الرعايّة والحمايّة الكاملة. وكان السَّادات يزور المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي بيته بين الحين والآخر، وكانت ترافقه السيّدة جيهان زوجته فِي عدد مِن زياراته. تعامل الرئيس أنور السَّادات مع المَلِك إدْريْس بكرم منقطع النظير، واحترام فائق، وتقدير كبير لدرجة أنّه قدمه على كلّ الحضور فِي حفل زواج أبنته، فجعله وكيلاً عنه على توقيع عقد الزواج.  

untitled(5)

الملك والسادات في بيت السادات

كان السَّادات يزور أضرحة الأولياء، ويطلب الدعاء مِن الأشخاص الّذِين يعتقد فيهم الصلاح والتقوى، وقبل حرب العاشر مِن رمضان (أكتوبر / تشرين الأوَّل 1973م) طلب الدعاء مِن الشيخ محَمّد خليل الخطيب، كذلك مِن المَلِك إدْريْس. فقد كان السّادات ينظر إِلى المَلِك إدْريْس على أنّه رجل صالح مبارك، وكثيراً مَا طلب منه الدعاء.

ويذكر، أن صورة الرئيس أنور السَّادَات وهُو بصحبة الشّيخ محَمّد خليل الخطيب كانت معلقة فِي بيته تفاءلاً وتبركاً، وأنّه طلب مِن المَلِك إدْريْس عكازه للغرض والمقصد نفسه.  

وَفِي هذا الخصوص، روى الدّكتور محمود جامع..{.. بأنّ السَّادات قد طلب – قبل حرب العاشر مِن رمضان – مِن الشيخ محَمّد خليل الخطيب أنّ يدعو له، فأخبره الشّيخ بأنّه سينتصر، وسيعينه الله على استرداد الأرض المحتلة. فقام السَّادات وطبع قبلة على جبين الشيخ..}م8.

وَفِي نفس الفترة كذلك، كان السَّادات قد طلب الدعاء مِن المَلِك إدْريْس ثمّ طلب منه عكازه تفاءلاً وتبركاً، فمنحه المَلِك العكاز، وقال له:..”..تذكر يا فخامة الرئيس أنّ هذا العكاز هُو عكاز إدْريْس السّنوُسيّ العبد الفقير، وليس بعصاة موسى التي شقت البحر..”.

هذا، وقد ظهر الرئيس السَّادَات وهُو فِي جبهة القتال، وفِي أكثر مِن صورة له، وهًو ممسكاً بعكاز الملك إدْريْس بين يديه.

والحَاصِل، عاش الملك إدْريْس السّنوُسيّ فِي مِصْر فِي راحة تامّة، وفِي مستوى معيشي أفضل مِن الوضع الّذِي كان يعيشه وهُو على كرسي العرش!. وتعامل الرئيس الرَّاحل محَمّد أنور السَّادات مع الملك إدْريْس وكأنه ملك متربعُ على كرسي العرش. وقضى الملك السّنوُسيّ الثلاثة عشر عاماً الأخيرة مِن حياته فِي قصر السّلطان بحي الدّقي معززاً مكرماً حتَّى فاضت روحه إِلي بارئها.

دخل الملك إدْريْس السّنوُسيّ إِلى مستشفى (مِصْر الدّوليّ) القريب مِن مقر سكنه بحيّ الدّقي مساء يوم 23 مايو / أيار 1983م وانتقل إِلى رحمة الله يوم 25 مايو / أيار 1983م، وهُو فِي سن الرابعة والتسعين. أرسلت الحكومة المصريّة جثمانه الطاهر فِي طائرة خاصّة إِلى السّعوديّة بناءً على وصية كتبها بعْد موسم الحج فِي عَام 1977م بعد لقاء جمعه بالمَلِك خالِد بِن عبْدالعزيز آل سعود وحصوله على وعد منه يقضي بسماح السّعوديّة متى حانت المنية لجسده الطاهر أنّ يدفن فِي أرض البقيع الطاهرة.

وقد فتحت..{..السّلطات السّعوديّة يوم الوفاة مدخل تجيوف الربوة وأعد مكان لسيدي إدْريْس بداخلها. وقد نقل الجثمان الطاهر مِن القاهرة إِلى المدينة المُنورة فِي طائرة مصريّة خاصّة، ترافقه الملكة فاطمة الشفاء والسيّد نافع العربي السّنوُسيّ والسّيِّد عُمر إبراهيم الشّلحي، مع وفد مصري رسمي برئاسة ياور رئيس الجمهوريّة (محَمّد حسني مبارك)، وكان فِي استقبال الجثمان وكيلاً عَن أمير المدينة المُنورة (الأمير عبْدالمحسن بِن عبْدالعزيز آل سعود) الّذِي كان غائباً فِي رحلة علاج مِن مرضه الّذِي توفى فيه رحمه الله..}م9.

دُفِن المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ بَعْد صَلاة الظُهر فِي تَجِيُوف الرَّبْوَة المدفون بِهَا رِجَال آَل البيت الشَّرِيف والسَّيِّد أَحمَد الشَّرِيِف وعدد مِن الشُهداء، والّتي دُفِن فِيها فِيما بَعْد الأمِير الحسن الرّضا المُتوفي بِلندن يوم 28 إبرِيل / نيسان 1992م. طلبت الملكة فاطمة مِن ممثل الحكومة السّعوديّة البقاء فِي الأراضي المقدسة إِلى مَا بعْد أداء صلاة المغرب. صلت الملكة فاطمة والسّادة المرافقين لها صلاه العصر ثمّ صلاة المغرب وبعدها غادروا على متن الطائرة المصريّة الخاصّة إِلى القاهرة.  

وَبَعْد وصول الملكة إِلى القاهرة ليلاً، وفِي اليوم التالي جاءت لتعزيتها السيّدة سوزان مبارك حرم الرئيس السّابق حسني مبارك والسيّدة جيهان السَّادات حرم الرئيس الرَّاحل أنور السَّادات وبعض سيدات وجهاء مِصْر وعائلاتها العريقة، بالإضافةِ إِلى السيدات الليبيات المقيمات فِي مِصْر آنذاك.

وفي ساحة قصر السّلطان بحيّ الدّقي بالقاهرةِ، أُقيمت ثلاث ليالٍ للعزاء، وحضر ليالي المأتم كلّ الِلّيبيّين المقيمين فِي مِصْر وقتئذ، وآخرين جاءوا مِن دول متفرقة، ومِن بين الشخصيّات التي حضرت ليالي المأتم: عبْدالحميد مختار البكّوش ( 1933م – 2 مايو / أيّار 2007م)، سيف النَّصر عبْدالجليل سيف النَّصر، رمضان سَالم الكيخيّا (1906م – مارس / آذار 1997م)، فاضل المسعودي، رجب محَمّد بِن كاطو ( 1920م – 10 مارس / آذار 1995م)، عُمر إبراهيم الشّلحي، عبدالله علي السنكي (1906م – 4 إبريل / نيسان 1989م)، عبدُه محَمّد بن غلبون (تُوُفِّيَ يوم الأحد الموافق 22 يوليو / تموز 1984م)، صالح عَبْدالله البشاري (تُوُفِّيَ يوم الأحد الموافق 11 نوفمبر / تشرين الثّاني 1990م)، عبْدالعزيز امحمد جبريل (1917م – 15 أكتوبر / تشرين الأوّل 1998م)، محَمّد السّنوسي جبر المغبوب (1918م – 13 فبراير / شباط 1987م)، مُصْطفى محَمّد البركي (1939 – 16 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2007م)، نوري رمضان الكيخيّا، يحي عُمر سعيد، سُليْمان المطاوع، غيث عبْدالمجيد سيف النّصر الّذِي طار مِن المغرب إِلى القاهرة فور سماعه لخبر وفاة المَلِك.

وكان في استقبال طوابير المعزين على مدار ثلاثة ليالي المأتم من السّادة السّنوسيين كل مِن: عبدالله عابد السّنوُسيّ (تُوُفِّيَ فِي القاهرة فِي شهر فبراير / شباط 1988م) وأولاده، عُمر العربي السّنوُسيّ، نافع العربي السّنوُسيّ، محسن محَمّد إدْريْس السّنوُسيّ، سعود رضا صفي الدّين السّنوُسيّ، فوزي كامل إبراهيم السّنوُسيّ، هاني فتحي إبراهيم السّنوُسيّ، محَمّد المَهْدِي هلال السّنوُسيّ.

والشَّاهِد، أَجتمِع يوم وفاة المَلِك عدد غفير مِن أَعضاء المُعارضة الِلّيبيّة فِي الخارِج فِي ساحة قصر السّلطان بِحي الْدُّقي وإِلى جانبهم عدد مِن قيادات فَصائل الْمُعارضة على اختلاف تياراتهِا وأَطيافِها.

وأَصدر (الاتِحاد الدّستوري الِلّيبيّ) الّذِي يتزعمه السَّيِّد محَمَّد عَبده بن غلبون بياناً ينعِي فِيه المَلِك إِدْرِيْس الَّذِي أَفنى عمره فِي سبيل لِيبَيا ومِن أَجل خير أَبنائها. كمَا أُصدرت (الْجبهة الْوطَنِيَّة لإِنْقاذ ليبَيا) الَّتِي كان يتزعمها الدُّكتور محَمَّد يُوسف المقريّف بياناً تنعِي فِيه الفقيد الرّاحل الَّذِي عُرِف بِشمَائِلِه الحميدة، والورع والتقوى، والزهد، والنَّزاهَة التي أَكسبته احتِرَام شعبه ودول العالم وزُعماءَه. وإِلى جَانِب هذين البيانين، احتوت مجلاّت تنظِيمات الْمُعارضة الأخرى التي صدرت بَعْد خبر الوفاة، على خواطر ومقالات عَن المَلِك إِدْرِيْس وعهده الميمون.

وبَعْد ذاك، ذَهب السَّيِّد نافِع العربِي السُّنوُسيّ والسّيِّد محَمَّد المَهْدِي السُّنوُسيّ إِلى مقر مجلَّة (أكتوبر) لمُقابلة الأدِيب والصُّحُفِي أُنَيْس منصُور بمكتبِه. وأُنَيْس منصُور المولود فِي 19 أَغسطس / أَب 1924م كَان صديقاً مُقرباً للرئيس الرَّاحل محَمَّد أنور السّادات، ورئيساً لِتحرِير مجلَّة أكتوبر (عربِيَّه سياسِيَّة اجتِمَاعِيَّه شَامِلُه) التِي أَسسها فِي 31 أكتوبر / تشرِين الأوَّل 1976م. وقد طُرِح أُنَيْس منصُور بعض الأسئِلة على نافِع ومحَمَّد المَهْدِي فِي اللِقاء الَّذِي جمعه بهِما، وفِي اليوم التَالِي كتب منصُور عَن سِيْرَة المَلِك إِدْرِيْس مقالاً نشره بَعْد ذَلِك مباشرة فِي عَمُوْدِه الأسبوعِي بِمجلَّة (أكتوبر). ويُذكر أَيْضاً أَن جرِيدة (الأخبار) كانت قد نشرت مقالاً عَن تاريخ المَلِك إِدْرِيْس وسِيْرَتِه بعْد نشرِها لِخبر وفَاتِه.

وَفِي تلك الفترة أَيْضاً ذهب وفْد مِن العائلة السُّنوُسيّة بعْد إِنتِهاء مراسِم العزاء إِلى مبنى الرئاسة بِصحبة اللِّوَاء فُؤَاد زهران، لِيُقدموا الشكر إِلى الحُكُومة المصريَّة التي استِضافت المَلِك وأَكرمته ثُمّ بعثت مندوباً عَن الرِّئَاسة لِلمُشاركة فِي ليالِي العزاء، ووفرت لجُثْمانه الطاهر طائرة خاصَّة لِنقلِه إِلى الأراضِي السّعوديّة تنفيذاً للوصيّة التي كان قد كتبها المَلِك إِدْرِيْس بعْد موسم الحج فِي عَام 1977م بَعْد لقاء جمعه بِالمَلِك خَالِد بن عبْدالعزِيز آَل سُعُوْد. وقد سجَّل أَعضاء الوفد، رسالَة الشكر فِي دفتر التشريفات موقعة بِأَسمائهم نِيَابة عَن العائلَة السُّنوُسيّة.

وبعْد سماع السّيّد محي الدّين أحمَد الشّريف السّنوُسيّ (6) (شقيق الملكة فاطمة) خبر وفاة الملك إدْريْس السّنوُسيّ فِي 25 مايو/ أيار 1983م، أقام فِي منزله الكائن فِي مدِينة الحدائق بالفويهات الشَّرقِيَّة فِي بّنْغازي مأتماً لمدة ثلاثة أيام، وحضر ليالي المأتم بعض الشخصيّات الوطنيّة، والوزراء ورؤساء حكومات العهد الملكي، ومن بين هؤلاء السّادة: مُصْطفى بِن عامر (1908م – 1990م)، حسين يُوسف مازق (1918م – 2006م)، عبدالقادر عبدالقادر البدري (1921م – 2003م)، ونيس محَمّد القذّافي (1921م – 1986م)، عبْدالرازق شقلوف (1914م – 2004م)، أحمَد فؤاد شنيب (1923م – 2007م)، معتوق آدم الرقعي… وآخرين.  

كمَا حضر ليالي المأتم كبار الأخوان السّنوسيين مِن برقة والكفرة والجغبوب، وأعيان مدينة بّنْغازي، وشخصيّات قبلية مِن كافة مناطق ليبَيا.

وَفِي بيت السَّيِّد محي الدِّين، رثى أَحد الشعراء الشّعبِيِين مِن قبيلة البراعصة (علي بوغنيوة)، المَلِك إدْريْس فِي الأْبْيَات التالية (7):

يا أسيادنا يحسن الله عزاكم
رانا سوا في غيظكم ورضاكم

يا كبار القيمة

يا غاثة المكروب ساعة ضيمه
يفنى الدهر وأنتوا أصحاب عزيمة…  وأحنا قبالا شايلين عناكم

لا لف ع التاريخ لا تبريمه
لا نضمروا في البال حد يسواكم

نهارتن نزوروكم نجوا بغنيمة
صيلة أرحام لكل من داناكم

وجملة المسلم وردكم تعليمه
حالف أمفيت يموت من ينساكم

أنشلتوا أنشيلوا نرحلوا لا ديمه
وأن قمتوا أنقيموا بالديار أحذاكم

وأن غبتوا حرام الضحك والتبسيمه
وأن جيتوا زهانا من حساب زهاكم

يا سماح الصورة
ياللي في الشهامة زايدين البوره

حتى لو فقدتوا من تريس اصقوره
الدار عامره يحفظ الله ضناكم

وزدتوا مقامة واخذين النوره
جدكم رسول الله ما ينساكم

وبعْد انقضاء أيام العزاء الثلاثة، استمر توافد النَّاس على العائلة السّنوُسيّة لتقديم واجب العزاء ولذا فتح السيّد علي صفي الدّين السّنوسيّ (1920 – 1994م) (8) بيته لاستقبال المعزين ولمدة تجاوزت الأسبوعين.  

وفِي المملكة المغربيّة.. بعد سماع السّيِّد محَمّد عثمان الصيّد (1922م – 31 ديسمبر / كانون الأوَّل 2007م) رئيس الحكومة الِلّيبيّة الأسبق، خبر وفاة المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي 25 مايو / أيار 1983م، أقام فِي منزله بالرباط مأتماً لمدة ثلاثة أيام. حضر ليالي المأتم كلّ الِلّيبيّين الموجودين فِي المغرب، وعدد الِلّيبيّين المُقيمين فِي المغرب كان كبيراً وقتذاك. استقر عدد مِن المهاجرين الِلّيبيّين فِي حقبة السبعينيات والثمانينيات فِي بلدان عربيّة كانت علاقاتها الدّبلوماسيّة مقطوعة مع نّظام معمّر القذّافي أو شبه مقطوعة أو متوترة إِلى حد كبير، وكانت المملكة المغربيّة واحدة مِن تلك البلدان. وقُدّرَ عدد الليبيّين الّذِين أقاموا فِي المملكة المغربيّة حتَّى منتصف عام 1984م إِلى أكثر مِن ثلاثة (3) ألاف شخص.  

فقد أقام عدد مِن التجار ورجال الأعمال الِلّيبيّين فِي المملكة المغربيّة بعد تأميم الأملاك والشركات وتحويل المحلات التجاريّة إِلى مجمعات مملوكة للدولة بالإضافةِ إِلى تقييد حريّة الحركة والتنقل وتحويل الوطن إِلى صورة شخصيّة لمعمّر القذّافي. كمَا أقامت شخصيّات وطنيّة وعدد مِن نشطاء المُعارضة وقياداتها وقتذاك فِي المملكة المغربيّة، ومِن بين السّادة – وعلى سبيل المثال لا الحصر– الّذِين أقاموا فِي المغرب: غيث عبْدالمجيد سيف النَّصر، محَمّد عثمان الصيّد، أحمَد إبراهيم إحواس (1938م – 6 مايو / أيّار 1984م)، محَمّد يُوسف المقريّف، عُمر عبدالله المحيشي، علي زيدان، محمود محَمّد الناكوع، نوري احميده الفلاح، عبْدالسّلام عَلي عيلة، عزات يُوسف المقريّف، منصُور عبْدالمجيد سيف النّصر، محَمّد رمضان هويسة، السّنوُسيّ الأشهب، جمعة أحمَد عتيقة… وآخرين.  

ويذكر أنّ المُعارضة الِلّيبيّة عقدت أوّل مؤتمراتها فِي المملكة المغربيّة حيث عقدت الحركة الوطنيّة الدّيمقراطيّة الِلّيبيّة فِي عَام 1980م فِي مدينة تطوان المغربيّة مؤتمرها الوطنيّ الأوَّل كمَا عقدت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا فِي عَام 1982م مجلسها الوطنيّ الأوّل فِي مدينة أغادير بالمملكة المغربيّة. كانت لدى بعض تنظيمات المُعارضة مكاتب تمثلها فِي المملكة المغربيّة، ومِن بين تلك المكاتب: مكتب: (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) الّذِي أغلقته الجبهة بعْد تسليم السّلطات المغربيّة فِي 17 يوليو / تموز 1984م الأستاذ نوري احميده الفلاح رئيس مكتبها إِلى أجهزة القذّافي الأمنيّة. استمر تواجد المهاجرين الِلّيبيّين فِي المملكة المغربيّة حتِّى سنة 1984م تاريخ عقد إتفاقيّة وجدة بين الملك الرَّاحل الحسن الثّاني (1929م – 1999م) ومعمّر القذّافي.

وَمِن جديد، حضر ليالي المأتم كلّ الِلّيبيّين الموجودين فِي المغرب آنذاك، وقد ذكر محَمّد عثمان الصيّد رئيس الحُكومة الِلّيبيَّة الأسْبَق مِن 16 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1960م إِلى 19 مارس / آذار 1963م، فِي مذكّراته قصّة إقامته مأتماً للمَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي بيته وحضور الِلّيبيّين لليالي المأتم، فقال:..{.. أقمت مأتماً فِي منزلي فِي الرباط لمدة ثلاثة أيام، وحضر ليالي المأتم كلّ المواطنين الِلّيبيّين الموجودين فِي المغرب فِي تلك الفترة والأصدقاء مِن الأخوة المغاربة وحفظة القرآن التابعين للمسجد المجاور لمقر سكني لختم القرآن الكريم فِي كلّ ليلة مِن ليالي المأتم الثلاثة وذلك ترحماً على روح الملك إدْريْس السّنوُسيّ الطاهرة، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. وهذا، جزء بسيط مِن حقه عليّ، جزاه الله عني وعن ليبَيا أحسن الجزاء..}م10.

وبعدما سمع الشّاعر راشد الزبير السّنوُسي فِي السجن خبر وفاة الملك إدْريْس السّنوُسيّ فِي أحدى نشرات الأخبار فِي محطّة مِن محطّات الرّاديو الأجنبيّة الناطقة باللغة العربيّة، جادت قريحته بهده الأبيات:

يا أبا الدستور (9)

وَسّدِيه بَين جَنِبَيكِ حَبِيباً… وأَعِيرِيه مِنَ الدّمع نَصِيَبا

خَلّدِي ذِكْرَاه إذ يا طَالما… عِشتِ في أَحَلامِه كوْناً خَضِيبا

كْنتِ آمالاَ رَعاَها فزَكَت… يومَ كانَ الحُلْمُ مَهْزُوماً غَرِيبا

يَطْحَنُ الجْوعُ بَقَايانا وقدِ… مزّق العُرى صَلاَتٍ وقُلوُبَا

واستَطال الليلُ في ساحاتِنا… باديَ السطوةِ يَغْتَالُ الوَجِيبا

يَومها قُمتَ على الأمرِ كَما… يَنْهضُ الوالدُ لا يَرجو مِثيَبا

كنُتَ تَسعى بيقينٍ رَاسِخٍ… والدُّجَى حَولَك يَجْتَاحُ الدُّروَبا

وتَرفّعتَ عَنِ اللغوِ ومَن… رَصعُوا دَرْبَكَ شوكاً وثُقوَبا

يا أبا الدستورِ والدَّولةِ مَن… يُنْكِرُ الشّمسَ بُزوَغاً ومَغِيَبا

كنُتَ فَجراً جَاءَ يَسْتَأمِننا… فقتلنَاهُ ولم يبلغْ شَبُوبا

وبَكينا بَعدَها غَفْلَتَنا… وعَناءً قد جرَعناهُ رَهِيَبا

غَرْسُ كفَيك نما جَامِعَةً… تُزْهِرُ اليومِ بطولاتٍ وطيبا

كُلمَا قد شعَّ منها قَبَسُ… جدّ عن آفاقِنا يَوماً عَصِيبا

فَذكرْنا كفُّ مَنْ أَوجَدها… فوقَ هِذى الأرض إنجازاً مَهِيَبا

وحَمدْنا لكَ ما أوليتنا… نَسْتَويِ في ذِاك شُبَاباً وشِيَبا

يا أبا كْلّ بِناءٍ راسخٍ… كم بأنفاسِكَ جَاوزْنَا كُرُوَبا

زاهِدَاً قد كنُتَ فِيمَا وهَبتَ… هَذه الأرضَ فلم تَطْلُبْ نَصِيَبا

وُطغاة الأرضِ إما رَغِبتَ… لا تُراعىِ اللهَ أو تخشى ذُنُوَبا

قد صَرَفتَ النَفسَ عن أطماعِهَا… فانثنَتَ تَأْنفُ أن تَأتيِ مَعيبا

وظَلمْناك فلم تعنفْ بِنَا… وبكفِّ الصفحِ أطفأتَ لُهِيبا

فلئن بَارحتَ ميمونَ الخُطى… لم تَشأ أن تحْضُنَ الشرَ ربيبا

فلقد خلّفتَ فينا وَجَعاً… يَشْتَهى بَرءاً ويوماً لن يؤوبَا

نضّر اللهُ ثرىً وُسدَتُه… يَومَ قد أسلمت للهِ مُنِيَبا

وتخيّرتَ جِواَراً طَاهراً… يَمنحُ الأبرارَ إيناساً وطِيَبا

فأرح نفسَكَ من أوصَابها… وأسالِ اللهَ دُعاءً لن يخيبا

وَفِي الخِتَام

كَان المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ رجُلاً بِأَخلاقِه ومواقِفِه.. وبطلاً فخماً فِي جميع مراحل حياته الطويلة. وكان عهده الّذِي استمر سبعة عشر عاماً، هُو ذُروة الْعظمة والعَطَاء والإنجَاز فِي تاريخ لِيبَيا الحديث، وكانت سنوات النفط مُنذ بداية تصدِيره عَام 1963م سنَوات صُعُود وغِنَى استمرت إِلى أن خطف النَفط وأَرض لِيبَيا ومن عليها ضابط صغير برتبة مُلازِم أُول فِي ظَلام الليل الدّامس فِي فَجر الأوَّل مِن سبتمبر / أَيلُول مِن عَام 1969م. وكان اسم (إِدْرِيْس) اختزالاً لِسَنَوَات طويلة مِن الجهاد والكفاح ورمزَاً للوحدة الوطَنِيَّة والإستِقلال، ولِذَا لُقب بـ(الْمَلِك الصالِح) لأِنَّه كَان نمُوذَجاً يُحتذي بِه فِي التقوى والصلاح والتمسك بالفضيلة والتقالِيد كذَلِك فِي الإنجاز والانفتاح على الآخرِين. وقد وُصف عهده بالعهد (الباهي) أَو (الزايِط) لأن حُقُوق المُواطِن الِلّيبيّ فِي سنوات حُكْمِه كانت مُصانَة، وحُريته مُحترمه، وخيرات بِلادِه سُخِرت بِالكامِل لِخِدمته ورفاهِيتِه.

رحم الله المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي ذِكْرَاه، وسلام وتحِيَّة إِلَى رُوحه الشَّرِيفة الطَّاهرة فِي علياء ملكُوتِهَا.

رحم الْلَّه أبانا الّذِي لم نعرف أباً سواه.

مِرْفق الصُوَر

الصُورة الأولى: صورة للمَلِك إدْريْس السّنوُسيّ. الصُورة الثّانيّة: الأمير الحسن الرّضا فِي فترة دراسته بالأزهر الشّريف، ويظهر إِلى جانبه السّيِّد محَمّد إدْريْس أحمَد بِن إدْريْس عابد الشّريف السّنوُسيّ المُولود سنة 1933م المُتوفي سنة 1963م. نُشرت الصُوَرة لأوَّل مرَّة فِي الجزء الثالث مِن سلسلتي المنشورة تحت عنوان: (فِي السّياسَةِ والتّاريخ / المَلِك.. العقيد.. المُعارضة الِلّيبيّة فِي الخارج) بتاريخ يوليو / تموز 2008م. الصُورة الثالثة: الأمير الحسن الرّضا ولى العهد أثناء دخوله إِلى البيت الابيض وبجانبه الرَّئيس الأمريكي جون كنيدى (1917م – 1963م). الصُورة الرَّابعة: الرَّئِيس السَّادَات مُمْسِكَاً بِيَد المَلَك إِدْرِيْس مُعاونَاً له عند مجيئه لحضُور حفل زواج جِيْهَان ابنته، وفِي الناحية الثّانيّة فؤَاد زهران مُمْسِكاً بِيَد المَلَك الأخرى. نُشرت الصُوَرة لأوَّل مرَّة فِي سلسلتي المنشورة فِي موقع (ليبَيا المُستقبل) تحت عنوان: (زَمَان العَادِل خَيْر الأزْمِنَة) بتاريخ مايو / أيار 2010م. الصُورة الخامسة: المَلِك إِدْرِيْس يتحدث إِلى الرَّئيس السَّادَات، ويظهر الرَّئيس مُنصِتاُ بِاهتِمام شديد إِلى المَلِك. أخِذَت الصُورة فِي صالُون بيت الرَّئيس الكائن بالْجِيزة أَثْنَاء حفَل زواج جِيْهَان ابنَة الرَّئِيْس. نُشرت الصُوَرة لأوَّل مرَّة فِي سلسلتي المنشورة فِي موقع (ليبَيا المُستقبل) تحت عنوان: (زَمَان العَادِل خَيْر الأزْمِنَة ) بتاريخ مايو / أيار 2010م.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة

1) المقالة: هذه المقالة عبارة عَن تجميع لنصوص وفقرات مِن دراسات سبق وأن نشرتها فِي موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتواريخ مختلفة، وهي: الجزء الثالث مِن سلسلة: (فِي السّياسَةِ والتّاريخ / المَلِك.. العقيد.. المُعارضة الِلّيبيّة فِي الخارج) المنشورة بتاريخ يونيه / حُزيران 2008م.. سلسلة: (رجـالُ حـول المَـِلك) المنشورة بتاريخ مايو / أيّار 2009م.. سلسلة: (زمَان الْعَادِل خيْر الأزْمِنَة) المنشورة بتاريخ مايو / أيّار 2010م. هذا، وقد أضفت إِلى المادة المنقولة فقرات جديدة وأدخلت على بعضها تعديلات طفيفة بالإضافةِ إِلى معلومات أخرى كان لابُدّ مِن ذكرها حيث نشرت الدَّراسات المُشار إليها قبل سقوط نَّظام معمّر القذّافي ويأتي النشر الجديد بعد سقوط النَّظام وزواله.

2) الفقرات أعلى الصفحة: هي فقرات مستعارة مِن مقالة الأديب رشاد محَمّد البشير السّنوسي الهوني (1937م – 2 أكتوبر، تشرين الأوّل 1993م) المنشورة تحت عنوان: (توارى فِي بيته المتواضع !) فِي صحفية (الحقيقة) العدد رقم (768)، الصّادرة بتاريخ يوم السبت 22 محرم 1388 هجري الموافق 20 إبريل / نسيان 1968م.

3) معدّل دخل الفرد فِي ليبَيا: وردت هذه الإحصائيّة فِي تقرير البنك الدّوليّ بواشنطن دي. سي، الصّادر عَن جامعة جون هبكنس (Johns Hopkins University).

4) حضور المَلِك إدْريْس للإقامة فِي القاهرة: ذكر فتحي الديب ضابط المخابرات المصريّة فِي كتابه: (عبْدالناصر وثورة ليبَيا)، بأن المَلِك إدْريْس أرسل إِلى عبْدالناصر مِن أجل السماح له بالقدوم إِلى مِصْر والإقامة فيها، بينما الرواية الأكثر تأكيداً، أن عبْدالناصر أرسل إِلى المَلِك إدْريْس رسالة شفهيّة عبر سفيره فِي اليونان وقتذاك، وقد عرض عبْدالناصر على المَلِك القدوم إِلى مِصْر والإقامة فيها، ورُبّما، مَا قاله الديب بشأن هدف عبْدالناصر مِن مجيء المَلِك إِلى القاهرة يؤكد، على نَحْو مَا، صحة هذه الرواية، فقال:..”.. كان عبْدالناصر يرى أن قدوم المَلِك إِلى القاهرة أمر هامّ يخدم إحكام السّيطرة على الموقف وإبعاده عَن أيّ تأثير أمريكي أو بريطاني لاستغلاله فِي إثارة القلاقل. .. واقتنع العقيد تماماً برأي الرئيس جمال عبِدالناصر..”.

5) الأحكام التي صدرت بحق رجالات العهد الملكي: ترأس المحكمة الرَّائد بشير الصغير هوادي، كذلك، تولى ضابط آخر مِن ضبّاط ما يُسمّى بمجلس قيادة الثورة مهمّة الادعاء أمام المحكمة، وهُو الرَّائد عُمر عبدالله المحيشي.

أصدرت المحكمة فِي القضيّة التي سميت آنذاك بقضيّة (القصور الملكيّة والعائلة المالكة) على (22) اثنين وعشرين شخصيّة وطنيّة أحكاماً تراوحت ما بين السنة الواحدة إِلى الحكم بالإعدام رمياً بالرصاص ومصادرة الأملاك، وهُو الحكم الّذِي صدر بحق الملِك إدْريْس السّنوُسيّ صانع الإستقلال ومؤسس الدولة. 

ويذكر، أن رجال العهد الملكي الّذِين حوكموا أمام محكمة الشّعب، كانوا قد قسموا إِلى خمس مجموعات – جاءت على النَحْو التالي: 

1 – المجموعة الأولى: قضية تزوير الانتخابات وإفساد الحياة السّياسيّة، وضمّت هذه المجموعة مائة وتسعة (109) شخصاً. 

2 – المجموعة الثّانيّة: قضيّة القصور الملكيّة والعائلة المالكة، وضمّت هذه المجموعة (22) اثنين وعشرين شخصاً. 

3 – المجموعة الثالثة: قضيّة إفساد الرأي العام، وضمّت هذه المجموعة (29) تسعة وعشرين شخصاً. 

4 – المجموعة الرَّابعة: قضية قمع القوى الشعبيّة، وضمّت هذه المجموعة (27) سبعة وعشرين شخصاً. 

5 – المجموعة الخامسة: قضيّة إفساد الجيش، وضمّت هذه المجموعة (23) ثلاثة وعشرين شخصاً.

6) السّيِّد محي الدّين أحمَد الشّريف السّنوُسيّ: بعد سنة وشهور مِن وفاة المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ، قدم السيّد محي الدّين إلى مِصْر لزيارة أخته الملكة فاطمة والاطمئنان على صحتها وأحوالها، وبعد أيّام مِن زيارته لها رافقها هُو والسيّد نافع العربي السّنوُسيّ إِلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج. وبعد الانتهاء مِن أداء المناسك داهمه الأجل المحتوم، وصعدت روحه إلى بارئها يوم الثلاثاء 8 ذو الحجة 1404 هجري الموافق 4 سبتمبر / أيّلول 1984م، ليدفن فِي أرض البقيع الطاهرة إِلى جانب المَلِك إدْريْس ووالده السّيِّد أحمَد الشّريف المتوفي بالمدينة المُنورة يوم الجمعة فِي منتصف ذي القعدة سنة 1351 هجري الموافق 10 مارس / آذار 1933م. 

7) القصيدة الشّعبيّة: (يا أسيادنا يحسن الله عزاكم): نُشرت هذه القصيدة لأِوَّل مَرَّة فِي سلسلتي المعنونه بـ(زَمَان العَادِل خَيْر الأزْمِنَة )، المنشورة فِي موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ فِي مايو / أيار 2010م.

8) علي صفي الدّين السّنوُسيّ: هُو أحد شخصيّات بّنْغازي المُعروفين، وأبن المُجاهد الكبير السيّد صفي الدّين (1895م – 22 نوفمبر / تشرين الثّاني 1967م) قائد معركة القرضابيّة. كان بيته مفتوحاً لكل النَّاس ويُختم فيه القرآن الكريم كل يوم جمعة مِن أيّام الأسبوع. وإِلى جانب الختمة الأسبوعيّة، كان يحيي فِي بيته الذّكرى السنويّة لوفاة الأمام الكبير محَمّد بِن علي السّنوُسيّ (1787م – 1859م) مؤسس الطريقة السّنوسيّة. جاء إِلى مِصْر في أواخر شهر ديسمبر كانون الأوّل 1993م، ودخل إِلى مستشفى (المروة) بالقاهرة، وفاضت روحه إِلى بارئها يوم 1 يناير / كانون ثاني 1994م.

9) قصيدة (يا أبا الدستور): هذه القصيدة للشّاعر المُناضل راشد الزبير السّنوُسيّ. نُشرت هذه القصيدة لأوّل مرَّة ضمن سلسلتي عَن الملك إدْريْس السّنوُسيّ فِي ذكرى مرور ربع قرن على وفاته، الصّادرة تحت عنوان: (فِي السّياسَةِ والتّاريخ / المَلِك.. العقيد.. المُعارضة الِلّيبيّة في الخارج)، والمنشورة فِي موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ يونيه / حزيران 2008م. وحينما نشرت قصيدة (يا أبا الدستور) لم أذكر إسم صاحبها لأن ذلك كان سيعرضه للخطر بحكم إقامته فِي ليبَيا، ولذا اكتفيت بالإشارة إلى إسمه بـ(شاعر مِن المنفى) على اعتبار أنه كتبها مِن منفاه فِي السجن حيث كان يقبع فِي السجن ساعة وفاه الملك. أرسل الشاعر القصيدة إلى مقر إقامتي فِي القاهرة فِي شهر مايو / أيار سار 2008م، وقمت بنشرها فِي سلسلتي فِي التاريخ المذكور. أعاد الأستاذ سالم حسين الكبتي نشر هذه القصيدة فِي مطلع عَام 2013م ضمن وثائق كتابه الخاصّ بالسّيّد إدْريْس ودوره السّياسيّ والوطنيّ، والصّادر فِي ثلاث مجلّدات تحت عنوان: (إدْريْس السّنوُسيّ الأمير والمَلِك). نشرت القصيدة فِي قرص صوتي (سي دي) مرفق مع مجلّدات الكبتي، وقام الإعلامي علي أحمَد سَالم بقراءتها.

مَصَادِر وَمَرَاجِع

م1) الأستاذ عبْدالحميد البكّوش – مقالة: (الشخصيّة الِلّيبيّة) – نُشرت عَام 1996م فِي مجلّة (شئون ليبيّة) وأعاد الأستاذ مُنصف البوري نشرها فِي موقع (ليبَيا المُسْتقبل) يوم 3 مايو / أيار 2007م.

م2) الأستاذ بشير السني المنتصر (وزير الدولة لرئاسة مجلس الوزراء الأسبق فِي ليبَيا) – مذكّرات: (ذكريات شاهد على العـهد الملكي الِلّيبيّ مِن ديسمبر / كانون أول 1951م إِلى سبتمبر / أيّلول 1969م) – موقع (أخبار ليبيا) لصاحبه الأستاذ عاشور الشامس.

م3) الأستاذ محمود محَمّد الناكوع – كتاب: (ملامح.. الصراع السّياسي والثقافي فِي ليبَيا الحديثة) – مكتبة (وهبي) بجمهوريّة مِصرْ العربيّة، الطبعة الثّانيّة الصّادرة 1328 هجري المُوافق 2006م.

م4) فتحي الديب – كتاب: (عبْدالناصر وثورة ليبَيا) – الطبعة الأولى عَام 1986م الصّادر عَن (دار المُسْتقبل العربيّ).

م5) نفس المصدر السّابق. 

م6) نفس المصدر السّابق.

م7) السّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول – كتاب: (المَلِك إدْريْس عاهل ليبَيا.. حياته وعصره) – صدر على نفقة المؤلف باللغةِ الإنجليزيّة فِي عام 1988م، وقام السيد محَمّد بن غلبون بنشره بعْد ترجمته إِلى العربيّة، وذلك فِي عام 1989م على نفقته الخاصّة.

م8) الدّكتور محمود جامع – كتاب: (عرفت السَّادَات) – المكتب المصري الحديث / الطبعة الرَّابعة يونيه / حزيران 2004م.

م9) السّيِّد محَمّد بن غلبون – كتاب: (المِلِك إدْريْس عاهل ليبَيا.. حياته وعصره) الّذِي كتبه السّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول، ونشره السّيِّد محَمّد بن غلبون فِي عَام 1988م بعْد ترجمته – تعليقات الناشر أسفل صفحات الكتاب المذكور.

م10) السّيِّد محَمّد عثمان الصيد – كتاب: (محطّات مِن تاريخ ليبَيا) – مذكّرات حررها وأعدها للنشر الصّحفي السّوداني الأستاذ طلحة جبريل، الطبعة الأولى الصّادرة عَام 1996م. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: