د. عمر الطويبي زوبي : الساكت عن الحق شيطان أخرس …

لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. والدين النصيحة. فإنني أعود للكتابة في موضوع الفدرالية وإعلان برقة نفسها إقليما فدراليا ضمن ليبيا الموحدة. فأقول:

(1) أنني لم استطع الحصول على نص البيان الصادر عن اقليم برقة حتى في الإنترنت.

(2) أن أغلب الذين… تحدثوا وتظاهروا معارضين لفكرة الفدرالية هم لا يفقهون معنى الفدرالية وأنهم يتكلمون بعواطفهم التي تؤكد الحرص على وحدة الوطن. وعليه فأنا هنا أهدف من هذا المقال أن يكون تعليميا لمن ليس عنده فكرة عن الأمر.

(أولا) لا يوجد نظام فدرالي واحد في العالم، بل له صور مختلفة حسب طبيعة كل بلد. ولكنه يرسخ أمرا واحدا وهو إعطاء سكان الأقاليم فرصة إدارة شؤونها الداخلية بنفسها.

(ثانيا) النظام الفدرالي في أساسه أفضل نظام حكم لتحقيق (اللامركزية ). وأي حديث عن تحقيق (اللامركزية الإدارية الحقيقية بالعربي الفصيح) خارج تطبيق الفدرالية هو محض هراء، وبيع أوهام، وخزعبلات تتغلف بها الحكومة المركزية والمستبدة في أي بلد. ومثلا على ذلك، (إن ما يسمى في جمهورية مصر بالحكم المحلي هو كلام فارغ وضحك على الذقون. فكل أمور المحافظات المصرية يتم تقريرها في القاهرة.

وزارة الحكم المحلي المصرية هي عبارة عن ساعي بريد بين الشلة المركزية المستبدة في القاهرة وباقي المحافظات). فالمحافظ تعينه الحكومة المركزية وهو بذلك الحاكم الناهي ولا يقيم وزنا للمجالس المحلية المنتخبة التي يستخدمها عباءة لتنفيذ رغبات السيد صاحب الصولجان في القاهرة.

(ثالثا) يقولون (من يملك كيس النقود يملك القرار). أي أن الذي يتحكم في صرف الأموال هو الحاكم الفعلي مهما كان نظام الحكم الموجود فيه. ولذلك عندما تكون الأموال في يد الحكومة المركزية فلا فائدة من أي تخطيط جهوي. وأفضل مثال على ذلك ماكان يفعله الطاغية من سخرية بالشعب (حيث يقول مؤتمرات تقرر ولجان تنفذ) وهو يملك خزينة المال ويتحكم فيه على هواه. فماذا حدث؟. بقي الليبيون يقررون 42 عاما دون أن يستطيعوا تنفيذ قرار واحد يهمهم.

(رابعا) يستحيل تحقيق العدالة والمساواة بين الناس في ظل الحكومة المركزية مهما كان البلد صغيرا أو كبيرا. وذلك لأن الحكومة المركزية لاتستطيع منطقيا أن تكون شمسا تشرق على كل زاوية وركن، وتلبي احتياجات كل قرية وحي، وتقضي على المحسوبية والقبلية والتحالف السيء للمصالح الفئوية والشللية وخاصة تحالف راس المال مع الزعامات القبلية والانتهازية الحكومية الوظيفية.

(خامسا) يستحيل على الحكومة المركزية مراقبة موظفيها وعمالها وتطبيق معايير الشفافية وذلك لكثرة عددهم، وتنوع مؤسساتهم، وتوزعهم مكانيا في أماكن بعيدة. وهنا يصدق المثل (غاب القط العب يافأر). ولذلك تجد أغلب الحكومات والبلدان الفاسدة سياسيا وماليا هي البلاد التي تمارس الحكم المركزي (أو الحكم اللامركزي التمثيلي المزيف والمخادع).

وأن أقل البلدان فسادا إداريا وماليا هي البلاد التي تطبق نظام الحكم الفدرالي (طبعا باستثناء نيجيريا التي تمزقها الصراعات الدينية والعرقية منذ زمن بعيد. أي أن عدم نجاح نيجيريا في تحقيق التنمية لايعود الى تطبيق نظام الحكم الفدرالي بل يعود إلى تمزقها الديني والطائفي والعرقي).

وحتى لا أطيل، ولا أستطيع الدخول في التفاصيل لأن ذلك مكانه قاعات المحاضرات، فإنني أقول بأن أفضل نظام حكم لدولتنا الليبية المنتصرة بعد ثورة 17 فبراير هو نظام الحكم الفدرالي (وذلك على النموذج الأمريكي). فهذا النظام يحقق العدالة بين الناس في موارد البلاد، ويمنع الاستبداد والاستحواذ على السلطة من قبل الحذاق والمغامرين، ويطلق دوافع الإنجاز والإبداع لدى المواطنين في خدمة أنفسهم والاعتماد على ذواتهم. كما أنه يمنع توظيف قوة الحكومة المركزية في خدمة فئة معينة من الناس.

وأؤكد قبل الدخول في صلب الموضوع أنني لست من برقة، بل زوبي مصراتي يعيش كأقلية في منطقة (الطويبية بناحية الماية التابعة لما كان يعرف سابقا بشعبية الجفارة). فقد جاء جدنا الزوبي الى منطقة الطويبية من مصراته قبل 150 عاما؛ وفتحنا نحن عيوننا في المنطقة ونحن نعيش كأقلية تأكل من الوظائف الحثالة، ومن الفرص الاجتماعية والخدمية البواقي، ومكاننا هو نهاية الطابور.

وهذا حدث في كل العهود، ويكون أسوأه في المسائل التي لها صلة بالحكومة المركزية لأنه حينئذ تغيب عنا المعرفة بالحدث، أو تسلب السلطة الوسيطة للأغلبية أغلب المعروض فلا يصلنا منه إلاّ النزر القليل. ولولا نجاحاتنا العلمية والمهنية لبقينا عبيدا (ننقط الماء على أيدي الأغلبية أونمتهن مهنة حفر القبور، وغسل القدور، و شعل البخور). ولذلك فإن الفدرالية هي الوسيلة التي تعطي فرصا أكبر للأقليات للحصول على حقوقهم والمساهمة في خدمة مجتمعهم.

إن أفضل نظام للحكم في ليبيا هو النظام الفدرالي وفقا للأسس التالية:
(1) يتم تقسيم ليبيا إلى اقاليم (او شيئا قريبا من ذلك حسب الأنسب مراعاة للظروف السكانية والمكانية).
(2) يكون لكل إقليم حكومة منتخبة خاصة به تكون مسئولة عن إدارة جميع الخدمات المحلية من قضاء، وشرطة، وتعليم، وصحة، ومرافق ماليا، وإداريا. وكل اقليم يختار مايشاء من قوانين وضوابط لتسيير شؤون مواطنيه.
(3) يكون لكل إقليم مجلس تشريعي يقرر السياسة الداخلية الخاصة به.
(4) يكون لكل إقليم ميزانية خاصة به مصدرها ضريبة الدخل من مواطنيه + نصيبه من الدخل السنوي من الثروات الطبيعية للدولة حسب عدد سكانه + ما يقرره مجلسه التشريعي أو مواطنوه في استتفتاء حسب قوانينه.
(5) لا تملك الحكومة الفدرالية (المركزية) أية أوامر أو سلطة على حكومة الإقليم. ويحق للحكومة المركزية فقط التدخل في شؤون الإقليم (عبر المحاكم الفدرالية فقط) إذا اعتدت حكومة الإقليم على الحقوق الفدرالية للمواطنين أو تجاهلت قوانين فدرالية أقرها مجلس البرلمان الفدرالي للمواطنين.

وتكون الحكومة المركزية مسئولة وحدها مسئولية كاملة على تأدية المهام التالية فقط:
(أ) السياسة الخارجية.
(ب) الجيش والدفاع عن الوطن.
(ت) الأستخبارات القومية (الأمن الوقائي أو الخارجي).
(ث) الشرطة الإتحادية (ما عرفناه سابقا بالأمن العام).
(ج) البنية التحتية الخاصة بالمواصلات والطرق عبر الأقاليم.
(ح) المنافذ البحرية، والبرية، والجوية.
(خ) الجمارك.
(د) وضع السياسات الخاصة بإدارة، وإنتاج، وتطويرالثروات الطبيعية للبلاد.
(ذ) وضع السياسات الخاصة بإدارة، وإنتاج، وتطوير المشاريع الاستراتيجية ذات البعد الوطني والتي تعجز إمكانية الإقليم عن القيام بها.
(ر) إدارة (صندوق التقاعد والضمان الإجتماعي) حسب القوانين التي يقرها مجلس البرلمان. (ولا علاقة مطلقا لحكومة الإقليم بهذا الأمر. وهذا للتأكيد فقط).
(ز) إدارة (مصلحة الجوازات والجنسية) حسب القوانين الفدرالية بشأن إصدار الجوازات، وتأشيرات الدخول ، وإذونات الإقامة، وكل ماله علاقة بهذه الأمور. ولا علاقة مطلقا لحكومة الإقليم بهذا الأمر. وهذا للتأكيد فقط).
(س) التعليم العالي الجامعي ومراكز البحث العلمي الوطنية فقط.
(ش) البعثات الدراسية الخارجية الملحة لتطوير البلاد.
(ص) الإشراف على وتمويل القضاء في المحاكم الفدرالية بما فيه المحكمة الفدرالية العليا.
(ض) تمويل مرتبات أعضاء مجلس النواب وهيئاته الإدارية.
(ط) توزيع 50% من دخل الموارد السيادية (الدخل المالي السنوي من الثروات الطبيعية + الجمارك + المشاريع الاستراتيجية والاستثمارية) على حكومات الأقاليم حسب عدد سكان كل إقليم بالتساوي). وتستخدم الباقي من الدخل السيادي وهو ال 50% على مشاريع البنية التحتية ونفقات الجيش وغيره من واجبات الحكومة المركزية المذكورة أعلاه.

ولذلك لاتكون للوزارات الفدرالية في مجال التعليم، والصحة، والاسكان، والأمن الوطني، والمواصلات، والزراعة، وغيرها أية مسؤوليات تنفيذية أو إشرافية على الأقاليم. بل هي وزارات تقوم بالبحث العلمي في مجال تخصصها، وتقديم الاستشارات لحكومات الأقاليم عندما تطلب منها، وتضع معايير علمية وإرشادية للمستوى الذي يجب أن تكون عليه الخدمات في الأقاليم دون إجبار، حيث تشجع فقط حكومات الأقاليم على تبني تلك التوجيهات بمدها بالمنح والاعانات المالية عند قبولها بالمشاركة وموافقتها على التطوير والتحسين.

هذا هو النموذج للفدرالية الذي أراه يتناسب وظروفنا الليبية وخاصة في ما يتعلق بالمداخيل المالية للدولة سواء الحكومة المركزية أو حكومات الأقاليم. وكم هو جميل ورائع في توزيع المسئوليات بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم. بحيث لاتصرخ هذه من عبء المسئوليات، ولا تتغول تلك في الهيمنة والصولجانات، ولا تضيع حقوق المواطنين في السراديب والمتاهات، ويطلق عقل ويد وروح كل مواطن من أجل السعي والإنجاز في ظل القانون والعدل والمساواة.

إنه بحق نظام بديع أتمناه لبلادنا التي نود لها كل خير. وألف تحية لإخوتنا في برقة على شجاعتهم وصراحتهم ومعرفتهم بفوائد الفدرالية التي تسعى لتحقيق الغايات التي جاءت في مقالي المختصر هذا حول هذا الوجه من صور الفدرالية (أي اللامركزية). وأتمنى عليهم ألاّ يكون بيانهم وطموحاتهم تتعدى هذه الحدود والمعطيات.

وحفظ الله ليبيا وشعبها بلدا موحدا بعلم واحد، ونشيد واحد، وعلى قلب رجل واحد. وأن يكون دليلنا القرآن، وسنة أشرف رسول وإنسان عليه وعلى آله وصحابته أزكى صلاة وأطيب سلام. والحمد لله

د. عمر الطويبي زوبي
قسم علم النفس ، كلية الآداب
جامعة الزاوية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: