سمير عطاالله : ما هي حافة الهاوية؟

SAMIR_ATALLAH

“إنها ساعة فائقة الخطورة”
القيصر فيلهلم الثاني، 1918

سمَّى العرب عصورهم الأولى، الجاهلية. عصر البداوة والغزوات والحروب التي لا تنتهي. وعصر العبودية وهمجية الرقّ. فقد كان عنترة، ابن شداد، من عبْس من مُضَرّ، عبداً من أمَة حبشية. فلم يعتِقه شداد إلا عندما برع في قتال الأعداء، قائلاً له “كرَّ وأنت حر”، فكَّر! فتحرَّر. وبسيفه هامَت ابنة عمّه عبلة، من عبْس من مُضَرّ، قبيلة الغضب والحراب والطعنة النجلاء. لاحظ صفة الطعن عند العرب.
لم يستطع هدى الإسلام أن يحرّر النفس العربية من النزعة إلى القتل، فصار العربي يقتل باسم الإسلام، ويأكل الأكباد وهو يُكبِّر، ويهدر الأوطان وهو يتلمّظ ويهلّل. سقط في حرب الجزائر مع فرنسا مليون إنسان، وفي حرب “جبهة الإنقاذ” سقط ربع مليون، بينهم تلميذات فوق الطفولة بقليل: موقف العرب من الطفولة.

في لبنان سقط نحو خمسة في معركة الاستقلال ونحو مائتي ألف في حرب إسقاط الميثاق الوطني. كان يمكن إنهاؤه في استفتاء عليه. سقط البلد والأرواح والميثاق وفاز عنترة. انفصلت سلوفاكيا عن تشيكيا من دون تغيير مواعيد القطار، أو إلغاء دعم أسعار الحليب والبيرة. وبلجيكا متخاصمة بين فريقين، بلا قتل.
سواء كان هذا الذي يجري في سوريا (والعراق) من أجل تقسيمها أو الحفاظ على وحدتها، فإن أرقامها المرعبة تقترب من أرقام الجزائر، ناقصة حجم الدمار بالطيران والدبابات وصواريخ سكود.
يستخدم العرب جميع أدوات العصر للتأكيد على الصمود في الحصن الجاهلي: الميغ لهدم منازل الأهل، والإنترنت لنشر أحقاد مُضَرّ وبطولات الزير. في الاستفتاء، يعود ديغول إلى منزله الريفي، وفي تعريب الاستفتاء يفوز الزعيم بأصوات الغائبين والحاضرين والذين لم تلِدهم الأرحام بعد.
أحكام الاستفتاء العربي الكاذب أفضت إلى الربيع العربي الخادع. اعتقدنا أن الحرب الطائفية في لبنان عودة إلى العصور الوسطى، فإذا بالعرب الآخرين يعودون إلى ما قبلها. لكن هذه المرة ليس تحت شعارات التوائية ملبّدة بالمساحيق وإنما بلغة الجاهلية وشعاراتها وهتافاتها وقصائدها. الغريب أننا عمّمنا اللغة على سائر الأمم. عندما أصغي إلى سيرغي لافروف أتذكر أحمد سعيد. إنه شعور غير مريح، عندما لا تعود تعرف إن كان الصوت رجلاً أم ميكروفوناً. الأزمات والكوارث والزلازل، في حاجة إلى إنسان. إلى وطنٍ. إلى حضنٍ. إلى أرضٍ. لا إلى خيام.
كتبنا الى جنابكم في الأيام الأولى لحرب الشام، أن سوريا “ليست دولة. إنها مفترق”. لم نكن نتخيّل أبداً ما حصل، ويحصل، أو قد يحصل، أبداً. لكننا كنا نبني على شواهد الماضي: سوريا هي أول انقلاب فتح باب الثكن، وسوريا أول باب فتَح باب الوحدة، فلما أغلقته، أُغلق في كل مكان، وسوريا أول من حرَّك الحرب العسكرية على إسرائيل، ودمشق أول عاصمة مستدامة في العالم، وأولى عواصم الفتح، وبوابة العمارة الأندلسية الفاتنة.
قد تذهب في أي اتجاه، وقد تأخذ الآخرين معها. لذلك كان الحرص على أن تبقى حيث هي لئلا تتفجر عروق الغضب فيها. وتلك كانت، أولاً وأخيراً،
مسؤولية النظام، لأنه الأمين على المصير ومالك القرار وصاحب السلطة.
الخوف على النظام وسط الثورات العربية المتلاحقة، نقَل سياسات دمشق من الذروة إلى حافة الهاوية. كل الصداقات تحوّلت إلى حافة حرب. فالمسألة ليست مجرد مؤامرة عادية بل هي مؤامرة كونية، كتلك التي يتعرض لها “التيار”.
هناك تعريفات كثيرة لسياسة “حافة الهاوية” Brinkmanship أكثرها تعبيراً، في اعتقادي، ذلك التبسيط الذي لجأ إليه الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “حافة الهاوية سياسة أخِذت، كما قيل لي، عن رياضة يمارسها بعض الشبان. خلاصتها أنهم ينتقون طريقاً طويلة مستقيمة، ثم يقف سائقان بسيارتيهما عند أول الطريق وآخرها وينطلقان بسرعة بعضهما في اتجاه بعض. كلما تقاربا أصبح التدمير وشيكاً”.
لم تعد سوريا على حافة الهاوية. تجاوزتها عندما قرّر النظام أن درعا بداية لمعركة وجود وليست بداية دعوة إلى حوار حول نوعية هذا الوجود. أُخِذ بشار الأسد بمظاهر شعبيته، من غير أن يتنبَّه إلى أن سببها، مظاهر التواضع والتواصل مع الناس والنزول من البروج المشيدة.
أبقى الرئيس الأب توازناً شديداً في علاقته بين العرب وإيران. فإذا بـ”الجمهورية العربية السورية” اليوم تصبح خارج الجامعة العربية وخارج مؤتمر الدول الإسلامية، علاقتها الوحيدة الباقية مع طهران.
كان ذلك مظهراً آخر من مظاهر حافة الهاوية. فليس التكفيريون والأفغان العرب وحدهم من ينزلق بالصراع إلى الهوة المذهبية بل دُعاة النظام أيضاً. وقد تعمّق الانقسام في الجيش والقوات المسلحة. وتعمّق في صراعات الدول والقوى حول سوريا. وانعكس، أول ما انعكس، كما هو بديهي، على لبنان، حيث ينتظر كل فريق عادة إشارة الانطلاق في الاتجاه المعاكس نحو هاوية واحدة وهلاك مشترك.
لن يَعدم أحد الأعذار والمبررات. يروي الدكتور صلاح سلمان في كتابه
((حكومة لم تحكم)) (دار النهار) أنه يوم كان وزيراً للداخلية عاتب القيادي الفلسطيني “أبو إياد” على قوله “إن طريق فلسطين تمرّ في جونية” فكان جوابه ان أم أحد الشهداء حزنت حزناً شديداً على مقتل ابنها وأردنا أن نخفّف عنها المَصاب!
على أننا في أزمانٍ صعبة وفي ساعة فائقة الخطورة. وقد بسَّط لنا بونابرت المسألة قبل قرنين عندما قال إن الجغرافيا هي التي تصنع التاريخ. أو إذا شئت نظرية أكثر حداثة فإليك “انتقام الجغرافيا” لروبرت كابلان. في هذا الكتاب الصادر منذ عامين نرى أن نتائج المعارك هي التي تحدّد السياسات وطرق المستقبل. وأي مستقبل.
سوف تلحظ أن هموم جميع القوى في سوريا جغرافية لكن تحت تسميات أخرى: إيران وروسيا تريدان الحفاظ على أول وآخر موقع لهما على المتوسط. وتركيا تريد الحفاظ على بوابتها التاريخية إلى بلاد العرب. وأوروبا متسربلة بسربلة أميركا وهاجس أوباما بالخروج من الحروب، كما يقول الدكتور حسين كنعان في كتابه “أميركا من جورج واشنطن إلى أوباما”(1).
تشكّل “القصير” في مفترقات سوريا الكثيرة مفترقات أخرى، متعددة هي أيضاً. أولها أن مقاتلي الحزب لم يعودوا يحسمون الأمور عن الجيش اللبناني وحده في الجنوب بل عن الجيش السوري في الشمال أيضاً. وربما في الوسط. وربما على كل الجهات. فـ”الفرقة الرابعة” أو “قوات الدفاع الوطني” أو طلائع البعث التي كان يُفترض أنها تحرس النظام، يتقدّمها مقاتلو حزب الله.
كلما مررنا في “ساعة فائقة الخطورة” مثل القيصر الألماني تذكّرنا أجمل ما فقدنا: الأندلس وكيف ضاع بين أقدام ملوك الطوائف. أمة لا تتذكر سوى تواريخ الانتحاب. وقعت “القصير” في يوم 5 حزيران الذي تساقطت فيه القدس وسيناء والجولان. وما من نهاية لعصر السقوط العربي، ما دام لا يزال عصر الطوائف وملوكها. في سوريا يتقاتل الجيشان على معبر القنيطرة وليس على القنيطرة. وفي فلسطين حكومتان واحتلال واحد. وفي لبنان ليس المطلوب حكومة وحدة بل حكومة أوزان وأحجام. وخوف في كل مكان. الساعة فائقة الخطورة “لأن أكثر الناس لا يعقلون” تكرر الآية وتؤكد “إن أكثر الناس لا يتفكّرون”.
ظهر الاحد الماضي، كنا في كاتدرائية مار نقولا تذكارا للعام الاول على غياب غسان تويني. الحاضر غير المتوقع كان سفير ايران، في مبادرة تؤكد ديبلوماسية الموت والعزاء. ولكن بعد قليل من جلوسه قام وخرج. وما لبثنا ان علمنا ان السبب كان مقتل شاب جنوبي على باب السفارة الايرانية بالعصي، من اجل رأيه.
حال هذا السبب الطارئ، مقتل متظاهر بالعصي والرصاص في الجانب الآخر من بيروت، دون ان يسمع السفير غضنفر ابادي كلمة المطران الياس عودة في ارث الغائب. قال ان تاريخ غسان تويني قام على امرين: طلب الحرية ونبذ العنف.
هل اصبحت بيروت الحرية مجرد ذكرى تتوزع على ايام ومواعيد؟ خطر ذلك مساء اليوم التالي عندما اطلقت بلدية العاصمة على ساحة وحديقة في جوار السرايا، اسمي امين الحافظ وليلى عسيران. ابن العالم الطرابلسي وابنة الزعامة العاملية. كم تليق الحدائق والزهور بمواليد برج الرقي ووفيات عصر الكبر.
كنا نتأمل شيخوختهم في اسى، مدركين ان غيابهم سوف يغير مناسيب الحرية والوئام ورموزيات بيروت كلوحة للتعدد وساحة التقاء. البعض لا يحضر عابرا ولا عابرا يغيب. ونحات الوجه المتحضر للمدينة لم يكونوا يأتون من هضابها وشواطئها فقط، بل من الشمال والجنوب وحتى من وراء الحدود.
كان مريرا قتل رجل آخر من اجل رأيه في بيروت. غسان تويني الذي صفح عن قتل ابنه ما كان ليتغاضى عن مشهد العصي في مواجهة التعبير. وامين الحافظ كان سيقول، لا اريد ساحة باسمي ولا حديقة باسم ليلى، بل استعادة تاريخ بيروت من وزارة الثقافة وحمايته منها.
قالت ليلى عسيران انها تزوجت امين الحافظ لانه يحب الموسيقى والادب. وقال انه احبها لانها تكتب الادب بكل انسانية. وكلاهما قال انه احب بيروت لانها – في زمنهما – مدينة الحريات.
(1) صدر حديثاً عن “دار النهار”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: