أحمد يوسف عقيلة‏ : الرغيف… “قصة قصيرة”

262845_10150262813466137_807499_n

1

… أحسَّ الرغيف بأن أطرافه بدأت تشتدّ.. وأخذ اليباس يعلو وجهه.. لكنه ظلَّ مُعتصمِاً بصمته.
قال التنور.. بعد أن نفخ نفخةً طويلة بفعل الصهد:
ــ لماذا هذا الصمت؟ حدِّثْني ما دمنا ملتصقَين إلى هذا الحَدّ.. أم تنتظر حتى تنضج فتصبح طعاماً؟
ــ هذه مسألة لا فكاك منها.. لكنَّ ما يشغلني هو أنني لا أعرف من نصيب أي الأفواه سأكون؟
ــ بَسِيْطَة.. إذا كنتَ أحمرَ مقرمِشاً فستكون من نصيب الحسناوات.. وإذا كنتَ رطِباً فستلوكك العجائز.. أمّا إذا احترقتَ وعلاك السواد فستأكلك الكلاب.. أو الراعي في أحسن الأحوال!

احتجَّ الرغيف:
ــ هذا مَيْز عنصري.. أنا رغيف سواء كنتُ أحمرَ أو أسود.
ــ رغم أنني كتنُّور ضد المَيْز العنصري.. إلا أنَّ هذه هي الحقيقة الموجعة للأسف.
ــ مَن يدري.. قد أقع في فم أحد الجنرالات.. تُرى هل معدة الجنرال تختلف؟
ــ دعْنا من هذا.. وقل لي: لماذا تلتصق فيّ بقفاك؟!
ــ المصادفة وحدها هي التي جعلت من هذا وجهي وذاك قفاي.
ــ يا لها من رحلة ستقطعها بين الفم والقفا!
ــ أتسخرُ منِّي يا قبُو النار؟
ــ أنا لا أسخر أيها اللصيق.
ــ مَن تظنّ نفسك؟ أنت مجرد فم أسود لابتلاع الحطب.
ــ وأنت لستَ أكثر من قَنّان.. لزج كالحلزون.. يبدو أنهم قد عجنوك بخميرة النكد!
… غَضِبَ الرغيف.. ازداد تكوُّراً.. وتحصَّن بصمته.. فيما كان التنور يتساءل عن الحُمرة التي بدأت تغزو أطراف الرغيف: هل هي بفعل النار؟ أم بسبب الغضب؟

2

قال التنور محاولاً ترطيب الأجواء:
ــ نحن نشترك في أمرٍ مهم.. أنت قُرص.. وأنا مجموعة من الدوائر من الفم إلى القاع.. ألاحِظ أنك بدأتَ تفقد بياضَك.. ومع أن سمائي ليست زرقاء.. بل هي أقرب إلى السواد.. إلاَّ أنك أصبحتَ كالبدر!
ــ أُحسُّ بالنضج.
ــ هذه نهاية الطريق.
ــ ماذا تعني؟
ــ هكذا هي حياة الأرغفة.. قصيرة.. تمام الأشياء يعني بدايتها في النقص.
ــ أهذه حكمة التنانير؟!
ــ انتظار النهاية لا يُغيِّر من الأمور شيئاً.
ــ وماذا بوسع رغيفٍ مثلي أن يفعل؟
ــ هناك طريقة واحدة لتأخير النهايات.. تَخَلَّ عن صمتك.. ما دمتَ قادراً على الحَكِي فإنك لن تموت.
ــ لكنَّ حكايتي قصيرة.. محدودة.. منذ أن دفنوني حبَّةً في التراب.. إلى أن أَلْصَقوني بك.
ــ أنا أيضاً حكايتي قصيرة.. منذ أن كنتُ في الوادي حجراً من المرمر.. لكنَّ هذا لا يدعوني إلى الصمت.. ثم إنّ حكايتك أزلية.. منذ تلك الحَبَّة التي أنبتت سبع سنابل.

3

… خَبَت الجمرات.. دفنها الرماد الأبيض.. أخذ الرغيف يروي حكايته.. ويروي:
تهطل الشآبيب.. أصابع سماوية تمسح يَبَاس الحقول الحاسرة التي خدَّدتها المحاريث.. ينتشر فَوح التراب المُبلَّل.. تتموج السنابل.. تصفرّ.. تصدح قُبَّرات وجنادِب.. أغمار.. أَجْرَان.. صهيل.. غِلال.. مطاحن.. أحسَّ بأن العمر مهما طال وامتدّ.. فلن يتسع لحكاياته.
تعاقب الليل والنهار.. بدت السماء كحقلٍ أزرق يومض بألف زهرة.. تناسلت حَكَايا الرغيف.
… هطل المطر.. أعشب التنور.. ومن تحت الرماد نهضت سبعُ سنابل..

(2001)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: