احمد يوسف عقيلة : الحاجّ؟! ..

262845_10150262813466137_807499_n

كنت في مناسبة اجتماعية.. عزاء تحديداً.. الليبيون يدخّنون.. ويتحدثون عن سلبيات المجتمع والدولة.. تكدس القمامة.. الأغنياء الذين يشترون الغابة ويجرفونها.. سرقة الآثار.. المومياءات في منطقة الجغبوب.. التي يهربونها إلى مصر وتُعرَض في المتاحف المصرية على أنها مومياءات فرعونية!! تأخر المرتبات.. البطالة.. رقادة الريح.. غلاء الكسبة.. ارتفاع أجور الرعيان السودانيين والتشاديين.. تأخر المطر.. صلاة استسقاء أمناء اللجان الشعبية الذين ذهبوا إلى البر بسياراتهم الفارهة فكساهم العجاج أثناء الصلاة!! استجابت لهم السماء على طريقتها الخاصة!!
ويستمر الحديث عن التصعيد.. تزوير الشهادات العُليا.. موجة العاهرات النيجيريات والأوكرانيات.. ليبيا الغد.. التوريث.. الكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد.. هيفاء وهبي.. بعض النكات الداعرة.. يبلتثون المقاطع على النقال لبعضهم.. ترتفع القهقهات مع محاولة متأخرة لكتمانها.. فالعزاوات لم تعد مناسبات حزينة عندنا.. وفي زحمة كل ذلك ينسون المرحوم.. فبعضهم لا يعرف حتى اسمه.. بل بعضهم لا يعرف إن كان مرحوماً أو مرحومة.. الله يرحمه وخلاص!! وتدور سفرة شاهي المعازي البارد بلا رغوة.

فجأة يدخل الحاج.. بذلة سوداء برباط عنق.. فوقها برنوس.. كرش كبير فوقه لغد.. سبحة صغيرة مزخرفة.. يقفون جميعاً.. يتطاولون بأعناقهم.. والحاج هذا لا شك أنكم عرفتموه.. لص كبير من لصوص المال العام.. عنده مزرعة وقصر وسيارات فارهة وأرصدة في الداخل والخارج بكل العملات حتى بالإيوان الصيني.. واستراحة خاصة بعيداً عن زوجاته للسهرات الحمراء.. ولأنه يعرف أن الليبيين يقولون (حاجّ مرّة اكفينا شَرّه).. فقد حج عدّة مرات.
المهم.. يأخذون الحاج بالخد.. والخدين.. بعضهم يأخذه بالأحضان ويطبطب على كتفيه.. يجلسونه في الوسط.. يتحلقون حوله.. ينهض أحدهم مسرعاً ويحضر حذاء الحاج ويضعه تحت طرف الفرشة.
الحاصل.. يرتفع أذان المغرب.. يقدّمونه للصلاة.. يتمنّع الحاج قليلاً.. فيدفعه أحدهم برفق من كتفيه مع يمين مغلظة: (والله ما يئمنا واحد غيرك.. كلام اصغيّر)!!
ولأن الحاج معتاد على السرقة حتى أصبحت سلوكاً يومياً غريزيًّا.. فهو يسرق الركوع.. ويلهف السجود.. مجرد انحناء بسيط ونقر كنقر الديك.. ويلحن حتى في الفاتحة.. يرفع المنصوب.. ويجر المرفوع.. ويترجم القرآن إلى اللهجة.. أما أحكام التلاوة فهو لم يسمع بها أصلاً.. مع أنّ ليبيا هي بلد المليون حافظ!!
والسؤال: أين الإدانة الاجتماعية؟ أين ذهبت اللغة؟ لماذا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها؟ فنقول للص يا لص.. بدل الحاج.. ونقول للسرقة سرقة.. بدل عجز في الحساب.. أنتم ولا شك تذكرون قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجاتهم بهجرانهم.. ونهى المسلمين عن الاختلاط بهم.. بل منعهم حتى من رد السلام عليهم.. حتى (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت).. وتابوا فنَزلت توبتهم من السماء (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا).. وهؤلاء الثلاثة لم يكونوا من لصوص المال العام.. بل هم صحابة أجّلاء.. تأخروا في التجهز لغزو الروم.
فمتى نقول للص يا لص؟ وإلى متى يبقى اللص هو الإمام.

(2010)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: