د . هيثم بن علي : شيطان عناد .. “ قصة قصيرة “

جلس قرب النافذه يرقب ابنته ذات الاربعة عشرة شهراً وهي تداعب ازهار حديقته الصغيره تتخير الاجمل منها وتسحبها إليها بِرقهْ وهى بالكاد تتحسس خطواتها الأولي، فتتعثر بخصل العشب الطويله من حولها ولكنها لا تلبث ان تقوم مجددا لتعيد محاوله المشي المضنية بساقيها النحيلتين الي ابعد ركنٍ تصله إرادتها الحرة. ، نظرت الي أبيها قبل ان تبدأ بقطف قرنفله شديده الاحمرار تدلت نحوها بدلال مع نسمات الظهيره ، لم تكن تلك نظراتِ خوفٍ أو تردد ، بل كلها تحدي واصرار متناهٍ ، لم تثنها نظرات العتاب من أبيها وهو يأخذ السلم القديم يتفحصه ويتأكد من سلامته وهو يدعي انه لا يبالي كثيرا بما تفعل ابنته، لعلها تلتهى بشئٍ أخر ، محدثاً نفسه (قطف وردة هو اقل الأضرار الذي قد تحدثه المشاغبه الصغيرة) فهي لن تسمع له علي أي حال مهما نادى محاولاً لفت انتباهها بعيدا، فأبجديات اللغه ليست بعد من الاشياء التي تغير اراده طفله بمثل هذا العمر ، ((مازالت صغيره كما يقولون )) .

انهمك هو في دق المسامير بتركيز في عريشه العنب العجوز المتهالكه وهو ينظر بين الفينة والآخري من أعلى السلم الي احداث مغامرة ابنته الصغيرة ،التى بدت له أنها قد ملت باحثةً عن أمها وثديها (لعله النوم ) تذكر تلك الكلمات التي قالها له ابوه (( حجتك بالجمعه يايوسف ، نعم حجتي بالجمعه نهاري احرف يا باتي)) هكذا كان يسلي نفسه ذلك الولد الصغير آن ذاك بالرد بجراءه على ابيه والهرب بعيدا بين الأزقة الضيقه الي ما بعد صلاه العشاء , ومع بروده الليل تسكن أعصاب والده المنهك من رعى غنم الأثرياء , فيتسلل حافيا لينام بهدوء ، فأخر ما كان يهمه هو حذائه القديم وما قد يحدث له في دار الجيران .
فكر في الأمر قليلاً وهو معلق بين السماء والأرض بين فروع شجره العنب الضخمة (( لا مرد لقضاء الله)) (فأنا احب العناد الله غالب) ؟ هل العناد مرض وراثي ام أنه من مهارات الحياة التي تنمو فينا مع الزمن ام انه ذلك الشيطان الصغير الذي يتسلل للاولاد الاشقياء ليلاً ويصبحون علي عناد. !! ،
(( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))
لم يكن يوسف أو وسيفه العنيد الوحيد في الاسره. فأبوه نفسه مشهور بالعناد في كل شئ ويقال ان يوسف كاد يموت خنقا بين يديه والسبب رفضه قول الشهادتين وهو في العاشرة وأبوه المعاند هو الآخر مُصر علي وجود شيطان بين أذني ابنه الشقي وانه لا محالة مِن إخراج ذلك الشيطان ولو بخنق ابنه حتى الموت .
إجتمع وجهاء القبيله وحضر الاقارب الأقربين والكل يحاول فصل الأب عن ابنه الذي صار يتلون بكل ألوان الطيف وكلما اقنع أحدهم الأب بإرخاء قبضته وبحاور الابن وفتح باب المفاوضات، زاد الولد عناداً بقولةِ (( مانبيش)) وتعود المعركة للدائرة الأولي والولد يرفض قروش المارين وحلوى القطن التي عادةً يشتهيها ولكن ليس في مثل هذه اللحظاتِ الحاسمه وصراع الإرادات علي أشده!
لا يذكر يوسف ما كانت نتيجه مبارة العناد تلك ومن الذي انتصر في النهايه وربما يرفض الاقرار بالهزيمه فيدعي النسيان ولكن المؤكد ان أبوه عاش بعد ذلك وبأنه حمل معه ذلك الشيطان طويلا قبل ان يتركه لابنه حلالاً زلالاً كما يقول .
عاد انتبهه لابنته فأذا بها بين قدميه تنظر اليه وقد صعدت نصف السلم المهترئ فانتابه الرعب من السقوط هو وابنته التي ظلت تبتسم نحوه وتنظر للاعلى وتهز السُلم بفرح غامر نظر بعيدا مرتبكاً فإذا بالورود مبعثره علي الأرض كأنها ساحه معركه بالسلاح الأبيض قد انتهت للتو ، فاعترف بأن شيطاناً صغيراً قد تسلل مبكراً بين أُذنى طفلته البريئة فى غفلته وهو معلقٌ بين السماء والأرض .
د هيثم بن علي
19/62013

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: