د . هيثم بن علي : نوح … “ قصة “

 

ليس كل من يسميَ نوحاً بنوح ، فثلاثمئه عام عمراً وصبراً من الصعب أن تتكرر وبالتأكيد ايضاً ليس كل من هو موسى بموسى فينشق له البحر بعصاه ، الا صاحبنا فقد يكون استثناءً لكنه بالتأكيد ليس بنبي ولا رسول ولا حتي رجل صالح من الواصلين ، إمهاجر موسي بكسر الالف هذا اسم بطللنا إن صحت تسميه الأبطال عليه دفن قصته بنفسه في الصحراء وتركها لي لأنبشها .
لست ادري من اين جاء الاسم فلم يكن من طبع ولا طبيعه الليبيين الهجرة الا اضطراراً إجبارياً في أعوام القحط أو حروب القبائل الشعواء على الأرض والمرعى وأشياء اخري .
حكايه إمهاجر تعود الي سنوات طويلة ماضية وحال البلد حال العوز والحاجه ، كانت البلد للتو قد شهدت أعنف معارك الحلفاء والمحور وليس بعيدا عن ارض موقعه العلمين وصراع روميل ومونتغمري المميت ولد صاحبنا .

1057255_486009148136475_296623142_n

كان إمهاجر ولداً شقيا منذ طفولته، لا يبقي في مكان واحد فانطبق على الاقل الاسم الأول علي صاحبه ،فهو غائب عن البيت ، غائب عن الكِتْاب ( مدرسة قرآنية يحكمها شيخ بسوط) و غائب عن البال والخاطر وإن أكدت أمه غير ذلك.
كبُر إمهاجر وصار شاباً رغم سوء التغذية والربو الذي عانى منه صغيراً ، لكنه لم يصبح نوحاً بعد كما قد تظنه سيادة القارئ من العنوان ، لست إدري متي تحول إمهاجر الي نوح بالضبط والتحديد . لكن هناك حكاية قد تدلنا على سر هذا التحول .
لم تكن هناك أشياء كثيرة في ذلك الزمن لتثير إعجاب واهتمام ذلك الطفل شديد الفضول والمغامرة في تلك البلدة الساحلية الفقيرة الا سفن التُجّارالقليلة ومراكب البحارة العابرين وفلايك الصيادين البؤساء ،،فقد كانت تلك الشئ الوحيد الذي يتحرك حيث ترقد البطالة ويمتد قِصر ذات اليد كالوباء في كل الأنحاء .
كان صاحبنا يهوى تلك السفن وتعلقت بها روحه فكأنه جنون أصابه أو مس من جني ابن جنية لفحه وهو يخوض وحده غمارالامواج ليلاً ،
كان يثير إعجاب وضحك البحارة وهو يقفز نحو السفن القادمة في كل مرة ويسبح إليها حتي يتلقفه هولاء بشفقه خارج الماء ، فيجلس معهم يرتجف في ملابسه المبللة عائداً معهم للميناء .
لم تكن لوالده أي علاقه بالبحر بل كان يهابه ويحذر أولاده منه ، فوالد مهاجر مقاتل سابق ساهم في مقاومه المستعمر طيله شبابه فهو في نظر قومه بطل قومي حقيقي ، ولو انه لم يستغل ذلك فيما بعد الا في سرد حكايات تلك الحرب ومغامراتها كلما اتيحت له الفرصه في مواعيد الافراح والعزاء .
لم يكن للحاج موسي الا ولد واحد هو إمهاجر. كان والده يعتبره فشل حياته الأكبر ويلومه علي عدم مبالاته بالعمل معه أو بحفظ القرآن في الكِتْاب كبقية الأولاد ، فبعد ان وضعت الحرب أوزارها وجد والد مهاجر نفسه يعمل بتجاره النحاس والمعادن الأخري خاصةً تلك التى من مخلفات الحرب الكثيرة الملقاة علي امتداد الصحراء الواسعة.
كان إمهاجر لا يحب والده كثيراً لانه يجبره بقسوه علي مساعدته في تجاره النحاس المملة فيما هو يعشق البقاء في الميناء قرب الصيادين والبحارة خاصةً الافرنج منهم وبالذات اليونانيين و بشكل أقل الطليان لثرثرتهم ومبالغتهم في الكلام وإطلاق الوعود الكاذبة ، تعلم اليونانية بسرعه والإيطالية لكنه بقي أُمياً لايقرأ ولا يكتب العربية .
كان ينجح الي حد بعيد في آثاره اهتمام بنات الجيران عندما يعاكسهن بلغاته المتعددة المخلوطه بلهجته الثقيله فكان ذلك المزيج بالنسبة لهن كالموسيقى الحالمه رغم عدم إدراكهن معانيها الحقيقة ، بعض تلك الجمل كان لها معانيٍ جنسيه خادشه للحياء، وماذا تتوقع ممن يتعلم اللغه علي ايدي أهل البحر الأشقياء ؟؟
لم تكن هناك دولة بالمعني الحقيقي لذا لم تكن هناك أي من أنواع البحرية النظامية ، أراد مهاجر ان يتعلم ركوب البحر وصناعه السفن لذا ورغم صغر سنه التي لم تتجاوز التاسعة عشره تركه البحارة اليونان يركب سفنهم التجارية وأحياناً حتى الحربية العابرة فيساعد مهندسيها في إصلاح الأعطال، كان ذلك ميسراً في ذلك الوقت خاصةً انه كان بالنسبه لهم عاملاً من دون اجر، الا بعض زجاجات الزيت او علب الطماطم التي يعطونه له احيانا بعد يومٍ طويل مضن ٍ بين المحركات والمواسير .
ومع مرور الأيام بدأ يتعلم كيف تبني السفن و اطلع علي خرائط التصميم التي أبهرته دقتها وإتقانها ، اخبر أبوه بالأمر وبأنه يرغب بالسفر لتعلم صناعه السفن ، آثار الأمر في البداية سخرية ابيه واستهزاءه. لكنه لما علم انه جادٌ في الامر ضربه بشده في ليله من غير نور قمر كما يقولون وهدده بتبليغ الشرطة إن هو فعل ذلك وقد فعل ذلك فعلاً في احدى المرات ، فلم يعثروا عليه أبداً.
ومن ليلتها لم يعرف احد اين اختفي إمهاجر ، هرب من البيت ولم يعد !
مرت عشرون عاما كامله ، ماتت ام إمهاجر بالحزن والسُل معاً وأبنها لم يزل في البال والخاطر كما كان دائماً و ظل أبوه وحيدا ولم يتزوج رغم إصرار الأقرباء، كان أبوه حزينا علي ابنه الذي اختفي وفقد تماماً الأمل بعودته .
وبدون سابق إنذار وفي ليلة خميس كانت السماء تمطر بشده ،فقد كان اول الشتاء ، طُرِق الباب ، فتح موسي العجوز بابه فلم يعرف من القادم ، لكنه سريعا أخذه بالاحضان عندما دقق في وجهه فقد كان إمهاجر وإن تلبدت سحنته بتجاعيدَ سحيقه وإعتلته سمره أهل البحر الداكنه، كان يلبس بدله عسكريه زرقاء جميلة تملى العين ، اخبر ابوه بأنه اصبح ضابطاً فنياً في سلاح البحرية اليونانية ! ، الحقيقة أنه كان ضابطاً (( فعل ماض ناقص! ))
في ذلك الوقت لم تكن هناك أوراق ثبوتيه لا يمكن إستخراجها ولا هجره غير شرعيه ممنوعه، تلك الليلة المشؤومة هرب مهاجر علي متن باخره يونانية الي اليونان وهناك عاش مع أصدقاءه البحارة الذين عرفهم عن قرب ،فأهل اليونان يحبون العرب ويكرهون الاتراك كما يقول ، زوروا له أوراقه ودخل فيما بعد البحرية حلمه الكبير ، انبهر قادته بنباهته في التعلم سريعا فعمل في سلاح المهندسين كمساعد مهندس ثم تزوج امرأهً يونانيه احب بياضها واحبت لكنته العربيه المثيرة لكنها تركته بعد أعوام قليله فلم تصبر علي غيابه الطويل وطباعه الحاده وحياته القاسية .
علمنا كما أخبر ابوه المسكين فيما بعد انه لما بلغ الاربعين و من سوء طالعه تم تسريحه من البحرية غيابياً لاسباب إنضباطيه كاد يسجن بسببها ، فقد تشاجر مع احد الجنود الثمالى فكسر عنقه بيديه وتركه ملقاً وفر هرباً ، عاد للوطن الذي لم يتغير كثيراً عليه فنفس الرتابة والكآبه والعطاله وكأنه لم يرحل طول تلك المدة .
لم يدم فرح الأب طويلاً بعوده ابنه الذي رحل مجدداً لاحد المدن الكبيرة لعله يجد عملا في الحكومه ، لكنه ما لبث ان فشل في ذلك ، فلجأ هناك للميناء فبدأ في بناء الفلايك و السفن الصغيرة الخشبية ويبيعها للصيادين ، وبعد عدة سنوات ورغم جودة سفنه ومتانتها إلا انه طرد من الميناء لانه رفض ان يستمر في دفع الرشاوي والاتاوات لأهل الحل والعقد هناك الذين ضايقوه ووشوا به للسلطات واتهموها ببيع الخمور وتهريب الحشيش علي سفنه الصغيرة ، فصار تقريباً مطلوباً للعدالة في ليبيا واليونان معاً .
مات ابوه كمداً في النهايه وهو حزين علي الأبن الذي فقده مرتين ، وجد إمهاجر نفسه مطروداً بلا بيت ولا أُسره ولا عمل ، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت فهو الان علي مشارف الخمسينات ولم يترك له ابوه شيئا حتي بيته كان عليه دين الإيجار لصاحب البيت الذي استرده سريعاً .
عرض عليه احد الصيادين القدامي أرضاً له ليسكنها ، ولكنه اكتشف ان الارض بعيده عن أي شئ له علاقه بالحياة فهي اقرب للصحراء منها للساحل حيث يعيش الناس الذين ملهم ، فكر في الأمر وقرر قبول العرض فلم تكن له خيارات كثيره أمامه ، فمن يوظف رجلاً في مثل سنه لايقرأ ولا يكتب حتى كلمه واحده عربي اللهم الا اسمه الاول وبصعوبه شديدة .
رحل الي تلك الارض ليسكن البراكة ( كوخ صفائح معدنيه) شديدة البروده في الشتاء ، شديدة القيض في الصيف وهنا عاد الربو ، حاول ان يزرع القمح والشعير في البداية ولكنه فشل مرة أخرى فبلا ماء لا تنجح زراعة فكان كمن يحرث في البحر ! آه خطرها على البحر. اين هو من البحر الان !!؟

الشئ الوحيد الذي يتقنه هو بناء السفن وفعلاً هذا ما كان ، وبعد ان بنى عدة مراكب صغيرة عادت اليه خيبة الأمل رفيقته الوفية من جديد فقد أخبره صيادو المدينة أنهم لن يشتروا مراكبه الغير شرعية فهو الان بعيد جدا عنهم ونقل تلك المراكب سيكلفهم كثيرا ، لم يزره احد فيما بعد وانقطعت أخباره عن اهل الميناء .
مرت سنوات ،كان الناس القلائل الذين تأخذهم الطريق قرب تلك الارض قد بدأوا يلاحظون بناءً غريباً يبدوا لهم من بعيد وفي كل مرة يزداد كِبراً مع الايام حتي صار جلياً للناظر المتعجب انها سفينه خشبية كبيرة في الصحراء ! كانوا احيانا يتوقفون على الطريق وهم يشاهدون ذلك الرجل الطاعن في السن وهو يبني سفينته كل يوم دون كلل ! ومن هنا أتى لقب (( نوح العقابي ))!
بعضهم كانوا يتندرون عليه واحيانا يأتون يمازحونه ويسألونه عن الطوفان القادم ! وعن الحيوانات التي سوف يأخذها معه ، لكنهم كانوا يهابون نظراته الغاضبه حين يصوبها نحوهم حين ينفذ صبره الطويل فما يبرحوا الا ويغادرون سريعا لكنهم كانوا لا يُخفون إعجابهم في كل مره بإتقان بناءه تلك السفينة العجيبة ذات الدورين كما كانت تسمى .
هناك ربما كانت الموهبة و الفضول والأمل والطموح والمغامرة ثم كانت الخيبة و الفشل و الرفض واليأس والموت البطئ في رمال الصحراء !
إكتملت السفينة لكن من المؤكد أن الطوفان لم يأتِ أبداً

د هيثم بن علي
26/06/2013

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: