‏د. إدريس فضيل‏ : وداعا حكومة زيدان ..

664690_165069360305016_738129282_o

أنا هنا لست أعبر عن رأيي الخاص ، وإنما أبسط رأي أغلبية الليبيين ، وخاصة من خاضوا غمار هذه الثورة بهمة وتفان ، وهم اليوم يرون أهدافهم تغتال ، وآمالهم أمام أعينهم تجهض ، ودماء إخوانهم على غير ذنب تراق ، صحيح أنهم لم يسقطوا دكتاتورية عسكرية بامتياز، ليشيدوا على أنقاضها أخرى ، ولكن الظروف السياسية ، قد تفرض على المرء أن يغير رأيه تفاديا لما هو أسوأ :
      فقد يقضى على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

قالوا: لقد قمنا نحن أبناء الشعب بالثورة ، وجدنا بأموالنا وأرواح أولادنا فيها ، ومضينا حتى طهرنا البلاد ، وأزحنا الفساد وأسقطنا الاستبداد ، كل ذلك التماسا لنظام مدنيّ معتدل ، يتسم بالأمن والطمأنينة ، والعدالة والديمقراطية ، وتبادل السلطة بطريقة مريحة مرضية ، ولكننا اليوم تحرق جلودنا سياط الخيبة والضياع ، ونشكّ بأننا قد لا نصل إلى تلك المرحلة أبداً ، لفشل الحكومات المدنية المتعاقبة ، حتى غدت بلادنا في آخر مراحل الخطر، بل تقف في مفترق الطرق ، وتشرف على الهاوية والغرق، مما يضطرنا إلى أن نقول :

وداعا يا سيد زيدان( وقفت وقفة جمل ، وبركت بركة اقعود) ، بدأت قويا حين قعقعت (وهدّرت) ، واتكأت على اليمين وعلى الشمال، ثم ظهر عجزك وبان للعيان تقاعسك ، ولست عندنا ملوما أبداً ، فلسنا نشك في وطنيتك ، وقد بذلت جهدك ، ولكن الظروف أقوى منك فهزمتك ، ولا عيب في ذلك ، فكن شجاعاً وسلم ما في يدك ، ودع ما ليس في طاقتك ، وثق أن التاريخ سيقدر موقفك ، ويحتفظ لك بمكانتك ، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه :
                        إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
ووداعا لحكومة التصريحات، حكومة زيدان، فهي في البداية بسطت للوطنيين المتلهفين بساطا واسعا مخضّباً ، من الآمال المعسولة، والوعود الحلوة، حتى سال لها لعاب الأشقياء ، الذين يتجرعون مرارة الخوف والجوع ويسكنون العراء ، ولكن اليوم انقشع الستار وانكشف الغطاء، وبانت حقائق الأشياء ، فقد عجزت عن اكتشاف السّفّاحين وإيقاف شلال الدماء ، حتى صرنا أضحوكة في فم الزمان، وغدا وزراؤها مجرد موظفين ، يتقاضون مرتبات كما نتقاضى ، وأيديهم مغلولة إلى جيوبهم ، وعلى قارعة الطريق يتساقط الشرفاء منهم ، ومن هنا تجاوزت سرعة الزمان دبيبها ، فسقطت شرعيتها ، وأصبحت في خبر كان، وإن كانت ما تزال تكابر، وتسبح ضد التيار الهادر ..
لقد تفاقمت هذه الفوضى الأمنية وطمت ، ومن قبل عجز عنها جبريل والكيب وهاهو وزيدان ، ولن ينظمها إلا عصبة من الرجال المطيعين، المنضبطين المخلصين المسلحين ، وليس بين أيدينا من هو مؤهل لذلك، سوى بقايا جيشنا الباسل الشجاع .
رجال جيشنا الوطنيون العقلاء المبعثرون، هم بعد الله محط أملنا وموئل رجائنا ، نعوّل عليهم ، ولمثل هذه الشدائد ندخرهم ، ولئن كنا أيام الطغيان نتوجع لقهرهم وإذلالهم ، ونأسف لحرمانهم من رتبهم ، وفجيعتهم في حياتهم وأرزاقهم , فهم في الموقف الحاسم لم يخذلونا ، بل انحازوا إلينا ، ووقفوا موقفا مشرفا معنا، بل قادوا معركتنا في الشرق ضدّ عدونا ، والآن حانت فرصة التحرك( الواجبة) عليهم ، لينفّذوا أمر الموت المنوط بهم ، فينقذوا من الهاوية بلادهم ، ويعيدوا بسمة الأمل إلى شفاه مواطنيهم، علماً بأن التاريخ سوف يحاسبهم إن تقاعسوا عن واجبهم ، وبقوا على مقاعد النظارة جالسين يتفرجون ، بينما خيرة أبناء شعبهم كالخراف في كل يوم يذبحون .
أمّا شعبنا فخير له أن يحكمه رجال جيشه الذين يعرفهم ، وينسّب أصلهم وفصلهم ، ويثق بوطنيتهم وإخلاصهم ، من أن تقفز على حكمه فئة تستقي تعاليمها من جهات خارجية ، وتفرض عليه ألوانا من الحكم ، تقيّد حريته وتعوق مسيرته.
وإذن فلنسلمها إلى مجلس عسكري(سيسيّ) ، يتفرغ أولاً للأمن ، فيكتشف السّفّاحين ويعلقهم في الميادين ، ويضرب بيد من حديد كل المارقين ، ويؤمّن الحدود ، ويضع القيود ، ثم يؤلف حكومة قوية مدعومة ، بسلطات لا مقطوعة ولا ممنوعة ، تصرف أمور البلاد بحزم وعزم ، ودون تلكأ ولا إبطاء ، وتكشف لشعبها أسرار ما يخفى ، على أن تقوم بمهمّاتها الوطنية تحت إشرافه ، حتى تخرجنا من النفق المظلم الذي وقعنا فيه ، إلى برّ الأمان الذي نحلم به .
ونحن واثقون أن هذه التشكيلة مهما ساءت، فلن تكون أسوأ من الجو الكئيب، المفعم بالشكوك والدماء والأحزان، الذي نعيش فيه الآن ، وسيكون الوطنيون الأحرار، أول من يدعون إلى مبايعتها , فمصلحة الوطن عندهم فوق كل اعتبار ، ويقيني أن بقية الليبيين المسالمين ـ ممن يناهضون الأحزاب ، ومن ليس لهم أجندات ، ولا توجه ولا ولاء ، إلى غير الأم الحنون ، موطن الأجداد ، وموقع الرأس ومفخرة الأحفاد ـ سيسارعون إلى تأييد جيشهم وحكومته ، وسيلتفّون حوله يدعمونه بالقول والفعل ، ويذودون عنه أهل الحزبية والمطامع الشخصية، والأزلام وفاقدي الوطنية .(ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: