فريد صالح آدم : الدفع بالحضور Ibila

يا معشر الليبيين ، أحذروا الدجالين ، المشعوذين الذين يريدوا أن يبيعوكنم أحلاماً معلبة . إنكم ما أن تسيروا في ركبهم وتسلموهم قيادكم حتى يعلبوا ثرواتكم ويضعونها في جيوبهم وحساباتهم ويتركوكنم تتلظون تحت شمسكم الحارقة وعلى رمالكم الرمضاء .ليس كل من حدثكم عن الوطنية يهمه في الحقيقة شأن الوطن ويتوجع لمصابه ، فالبعض من هؤلاء يعتبرون الوطن سلعة يجب إستهلاكها ، ووسيلة تمكنه من إمتطاء ظهور المغفلين والجهلة لتحقيق مآربه وأطماعه .
أحذروهم فإن لديهم أحلاماً خاصة بهم .
                                                                             ( من طلاسم السحرة )

image

أنا لا أتحدث عن ما يسمى في القانون بالدفع بالغيبة alibi أي أن تثبت بأنك لم تكن موجوداً في مكان وقوع جريمة أتهمت بارتكابها ، ولكنني أتحدث عن أمر آخر تماماً ولابد من استحداث مصطلح جديد خاص به وهو (الدفع بالحضور ) لأدلل على وقائع تاريخية وأحداثا جسام كنت طرفاً رئيسياً فيها ، وقد وقعت في فبراير من عام 2011 على أرض لوبيا ، أرض الأسود وذوي البشرة السمراء والتي قال عنها سقراط بأن منها يأتي الجديد .

فكما أدخل وليم شكسبير العديد من الكلمات في اللغة الإنجليزية لم تعرف من قبل مثل كلمة Laughable التي تعني المثير للضحك ، وكلمة Cool – blooded ، وكلمة swagger ، وكلمة Unreal ، فلا ضير أن أطالب مجامع اللغة الإنجليزية بإدخال مصطلح ibila الذي يعني الدفع بالحضور ، أو الإدعاء بالتواجد في مكان وقوع حدث ما ، أو الشخص الذي يشهد بذلك . كما أن لي هدف آخر من وراء استحداث هذا المصطلح ، ألا وهو رغبتي في دحض بعض الكلام غير الحقيقي ، المثير للضحك الذي يتفوه بعض المتبجحين بدم بارد هنا وهناك .

هذه ليست مذكرات شخصية أو سيرة ذاتية بقدر ما هي خواطر لثائر ، تردد أحداثاً جسام عاشها وشهدها في تلك الأيام العصيبة التي أمتحنت فيها نفوس الرجال ، وتشهد بحضور صاحبها للحظات الأولى لإندلاع ثورة 17 فبراير لا بغيابه عنها :

في آواخر عام 2010 عرجت في إحدى زياراتي للإسكندرية على صديق عزيز لي يدعى خالد محمد لأسلم عليه وعلى والدته السيدة الفاضلة ليلى مرزوق وكنت أعلم أنه يقضي جل وقته في مقهى انترنت فدلفت إلى ذلك المقهى فوجدته منكباً على أحد الأجهزة وأصابعه تنقر على لوحة المفاتيح بحماسة متقدة وعندما اقتربت منه فطن لوجودي فهب واقفاً وأحتظنني بمحبة قوية وشوق عارم إلا أنني شعرت بقلق وتوجس يساوران نفسه من شئ ما. تحدثنا قليلا واستعلمت منه عن أخبار الحراك السياسي في مصر وحركة كفاية ، فرد علي بكلمات متقتضبة فقد كان هناك شيئاً ما يستحوذ على اهتمامه ، فكانت عيناه تراقبان الداخلين للمكان ، وفجأة دخل رجلان كان لدخولهما وقعاً شديداً على نفسيته الرقيقة ، إذ أنتابه الرعب لرؤيتهما ، وأنكمش على نفسه . وعندما رأيت حالته تلك سألته إن كان بوسعي تقديم أي معونة له ، ولكنه شكرني بلطف وقال إنه لن يتردد لحظة في طلب المعونة مني إذا أحتاج إليها ، فتمنيت له التوفيق في نضاله ثم ودعته وأنصرفت ، وفي طريقي إلى الخارج لمحت ذانك الشخصين فسرت في جسمي قشعريرة لم أدر كيف أفسرها إلا بأن رؤيتهما لم تكن بالمشهد الذي يختلف كثيراً عن رؤية الموت لو تجسم الموت وأتخذ شكل رجلين في هذه الحياة الدنيا .

وفي صبيحة يوم الجمعة ، 17 ديسمبر 2010 رن هاتفي الجوال فنظرت إليه فوجدت مكالمة دولية وعندما تفرست في الكتابة الصغيرة على شاشة الهاتف ، فإذا بالمتصل صديق عزيز لي من تونس الخضراء يدعى طارق الطيب ربطتني به صداقة قديمة منذ أن كنت أتردد على بلدة منزل بوزيان بولاية سيدي بوزيد في الأعوام الأخيرة . شاب كلام صديقي طارق مسحة من الحزن العميق لم أعرف سببها فسألته عن صحة والدته منوبية وشقيقته الصغيرة أسماء وشقيقه سالم ، ثم سألته عن سبب حزنه فقال لي أن شرطية أسمها فايدة حمدي قد أعتدت عليه وصفعته ، وصادرت السلطة بعض الأشياء التي كان يستعين بها في تجارته . لقد صدمت للإهانة التي تعرض لها صديقي ، وراعني أن تنتهك كرامات الناس لأبسط الأسباب ، وخضنا جديثاً طويلاً ومن ضمن ما قلته له بأنه إذا طغى الطغيان ، ووصل الظلم إلى أقصى مداه ، فلا سلامة مع الخضوع ، ولا نجاة مع الخنوع ولندع النار تأتي على أجسادنا ولتكن لحومنا وعظامنا ، حطباً لنار الخلاص ، ووقوداً لنار التحرر من ربقة العبودية ، وشرارة للنار العظيمة التي ستحرق الطغاة . لم أكن أدري ما هو تأثير كلماتي في نفس صديقي طارق ، ولم أكن أتوقع رد فعله وتنفيذه الحرفي لنصائحي له ، ولم يخطر لي ببال ما يمكن أن تفعله كلماتي تلك في اضرام نار حقيقية أحرقت العديد من الطغاة واصطلى بها آلاف الشهداء ولكن لعل ما ترجمه لساني لإعتلاجات نفسي قد وعاه شخص آخر أبلغته إياه ففاق في فقه له ما فقهته أنا منه .

عندما أندلعت ثورة 17 فبراير ، خرجت مع المتظاهرين في مدينة البيضاء ، وعند وصولنا إلى المصرف التجاري بوسط المدينة ، جاءت سيارة مسرعة أطلقت علينا وابلاً من الرصاص ولكن وقف أحد المتظاهرين ويدعى سعد حمد بيني وبين الرصاص المنهمر علينا فحال دون إصابتي ، وسقط هو على الأرض مضرجاً بدمائه فانحنيت عليه ي محاولة لأن أفعل شيئاً لأسعفه . وبينما كان يعاني سكرات الموت قال لي كلاماً هو أشبه بالهمس لا أظن أن أحداً سمعه سواي ، أستمروا في تظاهراتكم حتى تسقطوا حكم الطاغية معمر القذافي ولا ترتدوا وتنكصوا على أعقابكم فتخذلوا الثورة وتخونوا دماء الشهداء . قال سعد هذه الكلمات وصعدت روحه إلى بارئها . ضممت جسده الملطخ بالدماء إليّ وقبلت رأسه فشعرت بشحنة غريبة تنتقل إليّ من جسد الشهيد وأنتابني شعور بالخفة وأنني أطفو فوق الأرض وأكاد أطير . لقد تغيرت حياتي كلية منذ أن ضممت جسد الشهيد إلى صدري وانتقلت تلك الشحنة الروحانية من جسده إلى جسدي .

أنتقلت بعد ذلك إلى بنغازي وأتصلت بصديق عزيز عليّ يدعى المهدي محمد فوجدته حزيناً مثقلاً بالهموم لمقتل الشباب عند أسوار كتيبة الفضيل وحدثني بضرورة فعل شئ لإيقاف آلة القتل الجهنمية ولإقتحام معقل هؤلاء القتلة ، فقلت له إن الثوار يفتقرون إلى السلاح ولكن هناك في كل بيت ليبي سلاح فتاك ينبغي استخدامه في هذه المرحلة لأن القتل قد تجاوز الحدود ولابد من استخدام الوسائل المتاحة للدفاع عن النفس ، سألني المهدي رحمه الله عن ما اقصده بذلك السلاح المتواجد في كل بيت ليبي ، فقلت له يا صديقي العزيز هناك في كل بيت أسطوانة غاز أو أكثر ، وهذه الأسطوانات الغازية هي قنابل متنكرة bombs in disguise .

توقف المهدي عن الكلام وشعرت بأنه غارقاً في التفكير في أمر ما ، وظل برهة من الزمن في حالة من الوجوم والسهوم ، فاستأذنته بالانصراف فلم يلحف عليّ بالبقاء معه كعادته بل شعرت أنه يريد أن ينفذ فكرة ما سيطرت على فكره وأستحوذت عليه . في اليوم التالي سقطت كتيبة الفضيل بوعمر ، وسقط معها حكم معمر في ليبيا . وعرفت أن صديقي العزيز المهدي قد أقتحم بوابة مقر الكتيبة بسيارته وفجر أنابيب غاز وضعها بجانبه . لم أأسف على وفاة صديقي فقد كانت نهايته نهاية يغبطه عليها كل مجاهد وشهيد ، ولكنني تضايقت قليلاً من فكرة أنه ربما أقدم على اقتحام الكتيبة وتفجيره لأنابيب الغاز بعد اقتناعه بما سمعه مني في اليوم السابق.

وفي يوم السبت ، الخامس من مارس من عام 2011 كنت في مدينة المرج لأطمئن على صديق لي يدعى أحمد رمضان ، عملت معه في الماضي في مجال النفط . عند وصولي إلى المنزل أستقبلني شقيقه الأكبر عبدالله وعند حضوره غمرته السعادة لرؤيتي وفرح كثيراً وقال لي لقد ظننتك قد أنخرطت في القتال في الجبهات لما أعلمه فيك من روح ثورية وثابة ، وإباء للظلم ورفض قاطع للعيش في كنف الطغاة أو ممالأتهم أو مداهنتهم أو تملقهم . تطرقنا في حديثنا إلى القتال الجاري في منطقة راس الأنوف وبن جواد وزحف كتائب القذافي في طريقها إلى أجدابيا ، وقلت لصديقي أحمد إنني أتألم من تثاقلي على الأرض وعدم نصرة الثوار في الجبهة وأكدت له أن النصر من عند الله ولن ينصرنا الله ما لم ننصره ، وأن أول ما يجب أن ننصر به الله هو الثبات على كلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله حتى لو أوردتنا المهالك فسنرضى بحتف النفوس لذلك ، ثم قلت له إن من أفضل عطايا المولى أن يرزقك بـ عطية في طريقك تدلك ( أو يدلك ) على الطريق إلى مرضاة الله ورضوانه . قال لي أحمد بأن كلماتي أحدثت أبلغ الأثر في نفسه وأعتذر مني لاضطراره للذهاب إلى جبهة القتال لأنه لم يعد يطيق البقاء وسط بيته والثوار يعانون الأمرين في الجبهة . قمت أن وشقيقه عبدالله بتوديعه فقال لي بارك الله فيك لأنك ذكرتني بالثبات على الشهادة وأردف قائلاً بأنه سيحيا عليها ويموت عليها ، وكان هذا آخر عهدي بأحمد رمضان عبدالهادي.

قد يجد البعض صعوبة في تصديق هذا الكلام ، وقد يلتمس لهم البعض الآخر العذر في ذلك ، وقد يقول قائل : كيف نصدق رواية لا يدعمها الراوي بشهاد شهود من الأحياء ؟ وما نفع رواية شهودها أموات ؟

نحن في ليبيا نردد مثلاً شعبياً يقول : ( الكذب ع الميت ) ، أي أن الإنسان لا يمكنه قول أكاذيب يتعلق فحواها بأناس أحياء ، لأن هؤلاء سينتفضون ويردون عليه ويدحضون كذبه ، بينما يستطيع أن يوظف شخصيات أنتقل أصحابها إلى جوار ربهم في خضم مغامراته وتخيلاته وهو آمن على رواياته من الإنهيار أمام التدقيق والتمحيص ، ولكنني أقول إذا كان شهودي كلهم من الأموات في نظر المشككين ، فهم ليسوا أمواتاً في نظري بل هم أحياء يرزقون .

ومن يشك أو يشكك في كلامي فليذهب إلى مقبرة الغريقة بالبيضاء ، أو إلى مقبرة بوهديمة ببنغازي ، أو إلى مقبرة شط الهنشير بطرابلس وليسأل ساكنيها من الشهداء عن صدق رواياتي ثم ليأتي بعد ذلك ويواجهني إذا كان يملك الجرأة على ذلك .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: