سمير عطا الله : مدن الصيف: مدينة الباهي الصادق

SAMIR_ATALLAH

كان في بنغازي شيء اسمه «سوق الحشيش». سوق البسطاء. وفي هذه السوق كان يسكن بحار لا بد أن الشمس أحرقت بشرته التي ترك لونها لابنه. الكاتب الفرنسي غي دو موباسان يقول إن البحارة يخافون الريح. تسكنهم فكرتها طوال الساعات، في الأحلام وفي الكوابيس. يذكرون اسمها من شدة الخوف.

والد الصادق النيهوم كان بحارا من سوق الحشيش. والابن، الصادق، كان يكتب مقالا للملحق الأسبوعي في «الحقيقة» من ألمانيا حيث يدرس الأدب المقارن. أبهج وأبقى ما في تجربة بنغازي، كان التعرف إلى هذا الساحر. كان الليبيون يقرأونه كمن يقرأ معلما (غورو) هنديا. والكتاب يقلدونه حتى في خطه. وقد وقعت في سحره وما أزال أستخدم بعض تعابيره. كالإشارة إلى الذات بكلمة «المرء»، أو القول: «على وجه الضبط». كانت متعتي أن أقرأ الصادق قبل سواي. وعندما تعرفت إليه بدأت صداقة لم تنته إلا بما فعلته السجائر في صدره السموح الفسيح وقلبه الضاحك مثل شجرة رمان.

لا أعرف ماذا كان الصادق. لكن كانت له قدرة عظيمة على السحر، كتابة وشفاها. كان يحدث ساعات في الفلسفة وفي علم الاجتماع ويكره السياسة ويضحك متحسرا ومتألما عندما يأتي على ذكر «معمر». لم يسمه يوما شيئا آخر وما منحه شيئا مما منح نفسه، ولم يعش ليرى البهلوان الدامي يلف صدره بسيف ذهبي ويتلفع بثلاث عباءات ويعتمر تاج ملك ملوك أفريقيا.

مات الصادق من دون أن يغير يوما بزته الرسمية: قميص وبنطلون جينز ونعل مفتوح. ومن دون أن ينسى سوق الحشيش في بنغازي. وترك مؤلفات كثيرة كأنها سطر واحد، من ذهب ورماد. قبل أشهر من سقوط معمر خارجا من عبارة إسمنتية، حاولت مجموعة من الصادقيين إقامة ذكرى بسيطة له في مطعم بسيط. وصلوا إلى المطعم فوجدوا ضابطا من اللجان قد احتله. لا مكان لذكرى الليبي الباهي في جماهيرية مفكر النظرية الثالثة والرابعة ومشانق الجامعة وإحراق السجناء السياسيين أحياء.

شعر بغيرة صغيرة من الصادق النيهوم، حيا وميتا. بنغازي مدينة كبيرة الآن. في الصور لا مكان لسوق الحشيش وحي «البركة» ووسط البلد ومبنى البنك المركزي الكثير الأعمدة. وربما لم يعد فيها قنابل مدفع لم تنفجر في الحرب العالمية. وثمة جيل جديد يبحث في الركام الدموي عن عالم ما بعد القذافي. جيل يحاول أن ينسى أربعين عاما من سقم التهريج والخواء الفكري والثقافي ورعب اللجان.

لكن أحمد إبراهيم الفقيه يتذكرها جيدا في كتابه «بداية ونهاية القذافي». الروائي الليبي ينقب في ذاكرته وفي ذاكرة جيله عن بقع السواد وتلك المصابيح التي أطفأها الفاتح بيديه لكي لا يرى في الظلام سوى نفسه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: