ابوبكر فرج الشكري : ميراثُ الجُحُود. من وحي النشيد الوطني الليبي.

thumb

عندما قامت ثورة فبراير كان الاعتقاد السائد بين أغلب الليبيين – الذين أعرفهم على الأقل – إنها ثورة القيم الأخلاقية الإنسانية النبيلة، حيث كان من المفترض أن من أهم دوافعها هو ما تعرضت له تلك القيم الرفيعة من طمس و تشويه وتدمير طيلة أربعة عقود ونيَف من عهد الانقلاب البغيض، وكان الظن بل الاعتقاد أن هذه الثورة قد قامت من أجل العودة بليبيا وشعبها إلى تلك المبادئ والقيم الإنسانية وترسيخها وإعلائها .

لكن و بكل أسف سرعان ما خاب ذلك الظن وانتكس ذلك الاعتقاد وظهر إنه كان مجرد برق خُلب لم تعقبه أمطار بل عاد الوطن إلى ما كان عليه من سنوات عجاف مجدبة، و كان ( الوفاء ) أول تلك القيم سقوطاً بعد الثورة،وعقب ذلك السقوط أو قل الإسقاط المبكر لقيمة الوفاء توالى سقوط القيم النبيلة الأخرى الواحدة تلو الأخرى كأنها حبات عقد قد انفرط إلى أن وصلت حالة البلاد والعباد إلى هذه الحالة المأساوية التي نراها اليوم .والتي وصفها الأستاذ محمد المز وغي في افتتاحية العدد ( 118 ) من صحيفة الكلمة بقوله ( يحدث في ليبيا أن يثور الليبيون على الظلم فيظلمون وعلى انتهاك حقوق الإنسان فينتهكونها وعلى هدر ثروات ليبيا فيهدرونها ) بل إن جزءاً كبيراَ ممن يسمون أنفسهم ( ثوار فبراير ) قد تفوقوا – في طغيانهم وظلمهم وفسادهم وعبثهم – على أسلافهم (ثوار سبتمبر ) حتى إنهم أي (الفبراريون ) استطاعوا خلال مدة لم تتجاوز اثنين وأربعين أسبوعاً أن ( ينجزوا ) من الفساد والدمار والقتل والتخريب والنهب والانتهاكات في حق ليبيا وشعبها ما عجز عن انجازه ( السبتمبريون) في اثنتين وأربعين سنةً و أصبح بالإمكان الجزم بأن كل المبررات الأخلاقية لثورة فبراير قد سقطت أو( تم إسقاطها ) وأصبح المواطن الليبي لا يرى أي صورة من صور التغيّر عن حالته في عهد الانقلاب إلا إلى الأسوأ .

وبالعودة للحديث عن ( الوفاء ) الذي قلنا إنه كان أول الضحايا – من القيم الأخلاقية – سقوطاَ بعد ثورة فبراير نقول : إن ذلك تجلى مبكراً في صورة واضحة تمثلت في حذف الشطرة المعروفة من النشيد الوطني التي كانت تتحدث عن الملك الصالح ( إدريس ) رحمة الله عليه – ذلك الفعل الذي تم من قبل فاعل مجهول والكل يعرف أن الأفعال الإجرامية غالباَ ما تقترن بفاعل مجهول وقد اعتاد الليبيون منذ مدة على سماع هذه العبارة كلما استمعوا لإعلانٍ عن حدوث جريمة اغتيال أو سطو أو تدمير وكأن الوقائع و الأحداث تُذكرنا بأن الانحراف في مسار الثورة قد وقع منذ البداية عندما تُرك المجهول يعبث بالنشيد التاريخي لهذا الوطن ويفعل به ما يعجب سيده الملازم الانقلابي أبومنيار فكيف نستغرب أو نغضب عندما يقوم ذلك المجهول أو مجهول أخر مثله بالتمادي في عبثه فيعبث بمقدرات هذا الوطن ثم يصل به العبث إلى سفك دماء أبنائه وإزهاق أرواحهم البريئة جهاراَ نهاراَ حتى وإن كانوا على أبواب بيت من بيوت الله داخلين أو خارجين لتوهم من صلاة الفجر أو صلاة الجمعة وهم صائمون في شهر رمضان المعظم بل حتى وإن كانوا في داخل ذلك البيت يقفون بين يديه سبحانه وتعالى بين ركعة وسجدة في انتهاك صارخ لكل الحرمات واعتداء فظيع على كل المقدسات لا يبدو إن له نهاية قريبة خاصة أن تلك الجرائم تمر هكذا دون أن بتم التحقيق في واحدة منها بصورة فعلية ، والله و حده يعلم إلى أين سيصل عبث ذلك المجهول أو اولئك المجهولين بليبيا وشعبها ومقدراتها .

ومن نافلة القول أن أذكر هنا بأن المجهول الذي حذف الشطرة من نشيد الوطن ليس بالضرورة هو نفسه المجهول الذي يغتال الأبرياء من أبناء الوطن في بنغازي وغيرها من المدن أو المجهول الذي يفجر ويدمر ويعبث بمقدرات الوطن ، لكن ما أردت التنويه إليه هو ذلك العامل المشترك الواحد بين تلك الحالات بل بين تلك الجرائم فالفاعل ) المُعتدِي (فيها يحمل صفة واحدة هي المجهول والضحية )المُعتدَى عليه ( فيها يحمل صفة واحدة أيضاَ هي القيم الأخلاقية الإنسانية النبيلة.

وعلى ذكر النشيد الوطني فمن المضحك المبكي أنه في الوقت الذي تُحذف فيه – من ذلك النشيد – الشطرة التي تقول ( حيّ إدريس سليل الفاتحين ) يظل الاستمرار في إنشاد الشطرة التي تقول ( يا بلادي أنت ميراث الجدود ) … فأي ميراث هذا ؟ وأي جدود أولئك ؟ وهل ما نراه اليوم في بلادنا هو بالفعل ميراث الجدود ؟ إن الإجابة بكل تأكيد (لا). إن بلادي التي هي ميراث الجدود كانت دولة ملكية دستورية برلمانية اسمها المملكة الليبية بعلمها ونشيدها ودستورها وبرلمانها ومؤسساتها ينتشر في ربوعها العدل والأمان والسلم الاجتماعي وكرامة الإنسان تسير بخطوات ثابتة مدروسة نحو التقدم والخير والرخاء والنماء ، مقدّراتها وثرواتها تنفق علي تنمية شعبها ورفعته في كل مجلات الحياة وفق مخططات علمية وخطط إستراتيجية يُعدُّها خبراء وعلماء ليبيون ودوليون مشهود لهم بالكفاءة والمهنية . كانت بقعة من الأرض أغلبها صحراء قاحلة تردد العالم في إعطائها صفة الدولة المستقلة ، فإذ بها بفضل الله ثم بهمة ومثابرة وصدق وإخلاص الجدود بقيادة الادريس سليل الفاتحين تتحول في زمنٍ قياسيٍ – مع قلة الإمكانيات – إلى دولة حضارية مزدهرة مستقرة أمنة مطمئنة يتمنى جيرانها بل والكثيرون في هذا العالم الوصول إلى ما وصلت إليه من ازدهار واستقرار وأمن وأمان ذلك هو ميراث الجدود الحقيقي الذي لا ينكره إلا جاحد وتلك هي ( بلادي ميراث الجدود) أما بلادي التي نراها اليوم فيمكن أن تكون بحق (ميراث الجُحُود ) ووصفها بأنها ميراث الجدود هو في أفضل الأحوال تسمية للأشياء بغير مسمياتها الحقيقية .

لقد ثار الليبيون من أجل تخليص بلادهم من حكم الملازم الدجال – الذي انقلب على ميراث الجدود – وعهده البغيض عهد الظلم والفساد والجحود وليعيدوا ليبيا إلى ما كانت عليه كما ورثوها من الجدود ؟ لكن ليبيا التي نراها اليوم لم تعد إلى ميراث الجدود.

ليبيا التي نراها اليوم آمال متحطمة وخواطر منكسرة وأحلام ضائعة أمام مشاهد الدماء الطاهرة المسفوكة والأرواح الزكية المزهوقة والأموال المنهوبة والمقدرات المهدورة والممتلكات المغتصبة والحقوق الضائعة … فهل هذه هي (ميراث الجدود ) ؟

إن الليبيين عامة وأصحاب الرأي والفكر وأهل الحل والعقد خاصة مدعوون اليوم قبل غدٍ إلي بيان موقفهم وتقرير مصيرهم وتحديد وجهتهم – بعيداً عن الشعارات الجوفاء والمزايدات والأغراض الشخصية والأهواء – وأن يختاروا بين العودة بليبيا حقاً إلى ميراث الجدود . ( و العودة لا تعني إننا تقدمنا عن ذلك الميراث حتى نعود إليه اليوم بل المقصود إننا انحرفنا عنه) ، وتلك العودة تكون بإعادة الأمور بصورة واضحة جلية ونية صادقة نقية – إلى ما كانت عليه يوم 31 أغسطس 1969 م. وهو اليوم الذي توقف عنده العمل بميراث الجدود وتثبيت ذلك والإقرار به اعترافاً بالحق وإعادة للحقوق تأسيساً على أن ما حدث في الأول من سبتمبر 1969 كان عملية سطو مسلح على السلطة وانقلاب عسكري على نظام دستوري شرعي قائم وهو بذلك فعلٌ باطلٌ وكل ما بني عليه أو ترتب عنه يكون باطلاً وهو في حكم العدم المحض وإن شرعية النظام الملكي الدستوري في ليبيا لا تزال قائمة مستمرة إلى هذه اللحظة ، ذلك هو الاختيار الذي يُعبِّر بالفعل عن العودة لميراث الجدود ، أما الاختيار الآخر الذي يمكن لليبيين أن يختاروه فهو الاستمرار فيما هم عليه اليوم وهو( كما هو مشاهد ) استمرارٌ لما كانوا عليه منذ – ذلك اليوم المشؤوم – الأول من سبتمبر 1969 وهم – أي الليبيون – يعرفون إن ذلك لا يمت بصلة للجدود وليس هو ميراثهم على الإطلاق ومن الحق والإنصاف أن يُسمى (ميراث الجُحُود ) .

و علي أي حال – أياً كان الاختيار – فعلى كل ليبي أن ينتظر نصيبه وسهمه من الميراث الذي يتم اختياره فسيصل إليه عاجلاً أم آجلاً.

أبوبكر الشكري

24 أغسطس 2013

[ نشر بصحيفة الكلمة العدد رقم (121) الصادر بتاريخ 1 سبتمبر 2013 م ].

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: