عبدالوهاب بدرخان : من يلملم شظايا ليبيا؟

2035034924

مضى عامان على سقوط نظام القذافي، وأكثر من عام على انتخاب المؤتمر الوطني العام، من دون أن يتأكد للداخل أو الخارج أن ليبيا بدأت فعلاً مسيرة تطبيع أوضاعها. غداة دخول طرابلس، كانت الآمال كبيرة بأن «روح الثورة» ستمكّن الليبيين من العمل سريعاً لبناء دولة جديدة. غير أن الصورة التي ظهر عليها «المجلس الوطني الانتقالي» وتماسكه طيلة عمليات «الناتو» كانا بالأحرى سراباً انكشفت حقيقته ما إن انتهت «حرب التحرير» لتبدأ حروب صغيرة أخرى، وتستمر من دون أي ضوء في نهاية النفق.

كان بالإمكان عزو فوضى الأيام الأولى إلى معاناة وآلام أربعين عاماً من العيش تحت نظام استخدم العنف والإرهاب لإسكات أي صوت، وشرّع الفساد والتدمير الذاتي للمؤسسات بما فيها الجيش تحديداً، فتوزّعه أبناء الدكتاتور كتائب خاضعة لأوامرهم ونزواتهم. نعم، كانت ارتكابات النظام السابق معطوفةً على ثارات شخصية وعائلية، تبرر مناخ انعدام الثقة وتضخّم النفوذ المناطقي والقبلي الذي ساد ما بعد سقوط القذافي وقتله والعرض المخزي لجثته قبل دفنها في مكان مجهول. لكن، كان ينبغي أن يكون هذا نهاية الفلتان. للأسف، كان بدايته. فما حصل لاحقاً ولا يزال يحصل من تحقير لأي حكومة أو سلطة أو مرجعية أو حتى مجلس منتخب يدلّ على بلد وشعب لا يريدان أن يستعيدا وحدتهما في دولة ووطن للجميع.
فمنذ تقاسمت الميليشيات المدن والمناطق لم يطرأ أي تغيير يذكر، فالمسلحون يحكمون البلاد، وما على الليبيين سوى أن يتكيّفوا مع الأمر الواقع. ومَن كانوا -ولا يزالون- يسمَّون «ثواراً» استمرؤوا حال الفراغ التي ملؤوها، ولم يعودوا يتصورون أنفسهم في مهن أخرى أو عائدين إلى «حياة طبيعية». لا شك أن بعضاً كبيراً منهم لا يملك أي مؤهلات وكان أساساً في جيش العاطلين عن العمل قبل أن ينخرط في «التحرير». انتهت «الثورة» فاستوظفته الشِّلل والجماعات الحزبية في مآربها الخاصة التي أمكن رؤيتها في غزوات داخلية بشعة كما في بني وليد وتاورغاء وسواهما، أو في حصار مقار «الدولة» ووزاراتها، أو في التصفيات والاغتيالات ومهاجمة السفارات وقتل دبلوماسيي دول كان لها الدور الأساسي في إسقاط النظام السابق.
في غمرة الفوضى الميليشياوية أمكن إجراء انتخابات هي الأولى من نوعها في ليبيا منذ ستينيات القرن الماضي. ظنّ كثيرون أن الاقتراع منعطف حاسم للخروج من الثورة إلى الدولة، خصوصاً أن نتائج الانتخابات جاءت معاكسة لاكتساح متوقع للتيارات الإسلامية، أي أن المجتمع الليبي عبّر عن استيعاب مبكر للصعوبات التي ظهرت في مصر وتونس، فضلاً عن أن طابعه القبلي ظهر كنقيض للانتظام في أحزاب إسلامية. لكن الاقتراع لم يغيّر شيئاً في الواقع ولم يوفر حصانةً للأعضاء المنتخبين، فاليد العليا ظلّت للميليشيات والكلمة الأخيرة للشارع.
من الطبيعي أن يكون الأمن المطلب الأول لليبيين اليوم، فهو الشرط اللازم والضروري للاستقرار. لكن انتشار الجماعات المسلّحة، وظهور تنظيمات مرتبطة علناً ومباشرة بـ «القاعدة» وأخواتها، وتجذّر بؤر الأمن الذاتي وتحولّها إلى عصابات، لم تجعل الأمن حلماً بعيد المنال فحسب بل كابوساً مرعباً. ورغم وجود قوة تحمل اسم «درع ليبيا» وتُعتبر نواة الجيش الجديد، واستطاعت أن تحبط هجمات على مطار طرابلس أو تخمد تمرداً هنا أو هناك، إلا أن تطوير هذه القوة تأخر لأسباب كثيرة أهمها تلكؤ الحكومة والترهيب الذي تمارسه الجماعات المسلحة كافةً، مناطقية أو إسلامية، على الحكومة والمؤتمر الوطني. ومنذ شهر يونيو الماضي بدأت حملة منظمة لتصفية ضباط باعتبارهم من فلول النظام السابق سواء بدافع الثأر أو خصوصاً لمنع الاعتماد عليهم في بناء الجيش. ويُعتقد على نطاق واسع أن مجموعات من التيار الإسلامي هي التي تنفّذ هذه الاغتيالات، وأنها تتمتع بتواطؤ العديد من الأحزاب والجهات، بدليل أن وتيرة القتل صارت يومية لكنها لا تلقى أي انتقاد أو استنكار، فلا أحد يعتبرها جرائم وإنما استهدافات «مبررة». وتكمن المفارقة في أن ثمة قانوناً لـ «العدالة الانتقالية» على جدول أعمال المؤتمر الوطني الذي لم يبتّه بعد، إلا أن الميليشيات شرعت في تنفيذه على طريقتها وبمعاييرها حتى لو كان بين الضباط من انشقوا وشاركوا في الثورة. وقد كان اغتيال وزير دفاع الثورة اللواء عبدالفتاح يونس الأول في السلسلة.
وكان «قانون العزل» الذي أقرّه المؤتمر الوطني تحت ضغط الميليشيات مهّد للتجريف الحاصل حالياً لمؤسسات لدولة من أصحاب الخبرة الذين خدموا خلال العهد السابق، ولم يكونوا في وظائفهم صانعين أو مؤثرين في قرارات أمنية أو سياسية. والواقع أن ما رافق إقرار هذا القانون من تهديدات أفقد المؤتمر الوطني وجوهاً وأصواتاً فارقة، إذ استقال العديد من أعضائه أو جمّدوا عضويتهم بسبب مخاطر على أمنهم. أي أن وجود من وصفوا بـ «الليبراليين» في المؤتمر لم يعد مؤثراً رغم الفوز الكبير الذي حققوه في الانتخابات، وبالتالي فإن الميليشيات استطاعت بالترهيب أن تغيّر الخريطة السياسية التي رسمتها صناديق الاقتراع، بل عبثت أيضاً بأجندة المؤتمر (الدستور، قانون الانتخاب..)، فلم يعد أحد يعرف تماماً أين أصبحت هذه الاستحقاقات. هناك أكثر من نزيف في ليبيا اليوم، وتأخيرات قاتلة في استحقاقات المرحلة الانتقالية، لكن الأخطر أن وحدة البلد تبدو مهددة بفعل الدعوات الفيدرالية. وتبدو ليبيا بأمسّ الحاجة إلى زعيم تاريخي يلملم شظاياها ويستنهض وطنية أبنائها ويحافظ على وحدتها حتى ولو بخيار فيدرالي يُتخذ بإرادة واعية وليس بإرادة الميليشيات التي لا تؤمن بدولة ولا بوطن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: