د . هيثم بن علي : قصة “ يحيى الأزرق “

خش خش يا راجل كنك متحشم ؟

دخل يحيى ورأسه يسبر تضاريس الأرض الغير مستوية الأسمنت في البيت الشعبى الضيق ،.

وفى منتصف المسافة و تجنباً لرؤية اي حرمة عقاب الليل أغمض عينيه وقال بسم الله ،،،،،ثم إندلف للداخل .

تفاجأ بمخدة طويلة تصفع وجهه ، اهلًا بك يا يحيى تفضل شاركنى شاهى القطران و حبات القلية وخبزة الشعير وقِطَع النكد !

أهو كساد كساد ،،، انا قاعد في هالمربوعة أشاهد خطاب تنصيب الرئيس ابو عمامة ولد عمك ،،، يبدوا محبوباً وله شعبية كبيرة اكثر حتى من شعبية ملك ملوك افريقيا في أدغالها الموحشة وسط خوتك الزرق الأشقياء !

ماشاء الله عليه ولد حسين الكيني صار منه ،شوف كيف يلمع وسط هولاء البيض الحمقى، ،،،،لم افهم شيئا من كلامه فلغتي الانجليزية محدودة لكنه فعلا يمضغ الكلمات جيداً وبسلاسه.

1383634_529343530469703_1727342293_n

مد يحيى يده لطاسة الشاهى ولف أصابعه حول رقبتها الدافئة فيما ترك الكلام لصاحبه

ما اكثر الريموتات ، وين الريموت الأسود العطيب ! ؟ فيلم هندي ! ليس لدى صبر على فيلم اربع ساعات وخاصةً ان البنت والبطل يتزوجان في النهاية ، هما فى الهند لاقيين يأكلوا بش يزوزو ؟، صحيح ليس لدي لغة ولكني مثقف زي ما انت عارف !

فأنا اعرف مثلاً ان الانسان يمكن ان يصبح دلاعة او حبة جوز هند احيانا ، ، لم ينتظر الصديق ردا من يحيى ،،

(( نعم ، فهكذا يسمي الهنود احدهم حين يحاول التملص من هنديته ليصبح أبيضا ، صحيح انه قد يصبح ناصع البياض من الداخل تماماً كأنك غسلته بمسحوق التايد ولكن صدقني يا يحيى الجلد الداكن أبدا لا يتغير ،،، خطرها مايكل جاكسون حاول تغيير جلده ولكنه انتهى زي الفحمة المجمدة في الفريز مع الاسف ،

لازال يحيى يجلس متجمداً في ركن المربوعة وقد شعر ببرد الفريز الذى دخله مايكل جاكسون ! وصاحبه مستمر فى استعراض معلوماته ،،،، (( وكذلك المرأة عندنا كالدلاعة فلا يغريك جمال زواقها من الخارج ، فقد تكون بيضاء لا طعم لها او حمراء طيبة وبنت ناس ،

خطرها على الهندي بوشوكة هوا عليش سموه هندي وهو ينبت حتى عندنا فى هالبلاد العطيبة ، نحن عندنا تبو وطوارق بس مافيش هنود ، ليش ما سموه تبوى او تارغى ؟ ،،،،لم ينتبه الصديق العنصري الثقيل الدم لزلاته العنصرية المتتالية ، ولم يكن اصلاً عند يحيى أجابة شافية لأي من هذه الأسئلة ،

كول يا يحيى كنك متحشم ؟ ، أسف مافيش عشاء مسقم، لان الولية راقدة من بدري ، رأسها يبي ينفجر من الشقيقة البعيد عنك ،،،،او هكذا تدعي كلما جاءنا ضيف ، معليش سامحني انا صريح زي ما انت عارف !

خطرها سمعت انهم يبيعو في البنغال في سوق المصرية ؟. البنغالى بعشرة جنيه ههههههه. انا عندي سوداني خير ، صح كسول وما يخدمش بس ميه الميه في الحراسة ، على الأقل ديما قاعد !

مرحبا بتجارة الرقيق عقبال الِإماء والجواري ،،،،،، هنا شعر يحيى بالصداع والغثيان !

انتهت السهرة التلفزيونية المريرة مع الصديق العزيز ، وودع يحيى صديقه المضياف بإبتسامه هادئة ،،،واختفى تحت المصباح الوحيد الى سكون الشارع المظلم ، يجر خلفه ظله النائم ، هو لا يسكن بعيدا من هنا ، فهذه هى العمارة ، الدور الاول “” وهذا سوداني وأولاده السبعة وهذا مدرس مصري يسكن بروحه وجايب الشبهه لحسنوات الشارع ،،

الدور الثاني وهذا سواق الشاحنات المتقاعد وزوجته ذات اللسان الطويل ، وأخيرا هذا يحيى الازرق ،،،،، ،

يسكن وحده في هذه الشقة الصغيرة ، ، توفى الأب بعدما قضى أشهرا طويلة مُلقاً فى احدى غرف قسم الغسيل الكلوى وفى النهاية غسلوا روحه المسكينة بالخطأ

توفيت الأُم بعده بأشهر والسبب هو مرض البغدد ، نعم ليس الغُدد الصم ولكن البغدد الليبي ، فهو مرض معدي ومستوطن ولا يغادر حدود هذا الوطن، بل يتوقف عند شبردق الحدود تماماً ،

له اخ يعيش في أمريكا من زمان وهو سواق تاكسي محترم ! ، وآخر يعيش بألمانيا ويعمل في محطة للقطارات ، اما هو فما زال يحاول ان يبقى ولد بلاد لآخر لحظة ، مجبرٌ اخاك لا بطل يا يحيى؟؟

الحقيقة أنه يتهم نفسه بالتنبلة و يتحجج بانه لا يحب مغادرة مدينته التي احبها ، فهو الان في أواخر الأربعين ولو أنه يبدو شبوباً كما يقال ، غير متزوج وغير مرتبط ، كانت له تطلعات نسوية بيضاء ولكنه غض الطرف عن تلك الفكرة المجنونة ! ،،،،،، خلع ملابسه وارتدى البيجاما الدافئة الجديدة ، غسل أسنانه الناصعة و إستلقى على سريره الحديدي الذى احدث أزيزاً قصيراً .

لم يفكر طويلا فى كلام صديقه اللاذع فهو قد تعود على هذا النوع من الناس ، كلمة العبد الحاف كمزاح لابد ان يسمعها فى اليوم اكثر من مرة ، او أنها قد تأتى مع المُحسنات فتصبح الأزرق السمح او مع الكريما والفانيلا لتصبح الأبيًّض طيب القلب ولكن هذه الاخيرة نادرة هذه الايام فقد اختفى ذكاء وفطنة تلك العجائز النزيكات من شوارعنا.

لا يختلف يحيى عن بقية الأخوة الزرق فهو يشجع بجنون فريق الآرسنال و اي فريق اسمه الهلال من هلال السعودية مروراً بهلال الخرطوم بحري وبور سودان !

ولكن فى هذه المدينة إختلف كل شئ فالهلال هنا هو فقط ملك لعائلات خاصة محظوظة لذا فهو إنتمى لبيت نادي التحدي المفتوح الباب ، لا يعرف احد سبب هذا الولع ، لعله الشورت الأسود، أو لعلها السيقان الطويلة الأنيقة للاعبيه السمر ولعله ببساطة هو الاسم نفسه ؟

ربما كل هذه الأشياء مجتمعة ولكن الأهم هو الموقع الجغرافى ، فهو يقع بجانب محطة النقل السريع والروميس وليس بعيدا من فندق الخضار و من حوله يسكن المهاجرين وعابري السبيل ومقطوعى الامل وكل هولاء كان ينقصهم شئ واحد ومهم وهو التحدي ،،،،،،،هذا التحدي يبدأ من تحدى اجتياز المجارى كل يوم إلى التحدي الأكبر وهو الحصول على إلاعتراف بإنتمائهم لهذا الوطن .

هو وأبوه وعمه لعبو لفريق التحدي ،قليل هم البيض الذين يشجعون فعلاً نادى الصابري ولكن الكثيرين يتعاطفون معه ، والتشجيع ليس كالتعاطف بالتأكيد ، وهذا تماماً هو حال صديقنا يحيى ، فهو يحصل على الكثير من التعاطف الرخيص لاغير .

فنانه المفضل هو باري وايت مغني الجاز ، ايوه يحيى رومانسي و يحب موسيقى الجاز ولهذا قصة فسبب هذه المعرفة هو الأخ بارى الأبيض (وايت) نفسه رحمه الله

فقد شاهده في احد الايام في مقابلة تلفزيونيه قديمة وهو طفلٌ صغير فى تلفزيون القهوة ، شعر بوجود شبه كبير بينه وبين خاله جبريل مغنى المرسكاوى البارز الذى مات خنقاً فى احدى الحفلات الصاخبة ،،،،

يحيى لا يحب المرسكاوى لذا وجد في باري وايت خالاً أمريكيا ومطرباً شجياً ايضاً ولكنه كان دائماً يتسائل لماذا الاسم وايت يا بارى ارجوا ان لا تكون انت ايضا من ثمار جوز الهند إياها

يحيى ليس كصديقه الثرثار فهو متعلم وحاصل على أجازه في علم الاجتماع، لذا فالمقارنة مع الرئيس أوباما قد لا تظلمه كثيرا كما قد يبدو من الوهلة الاولى

فقد كان رياضيا هو الاخر مثل أوباما ، بل كان ماهرا في كرة القدم التى احبها بلا مقابل وسيادة الرئيس لعب كرة السلة أملاً بمنحه للجامعة وكذلك يفعل كل ذوي البشرة السمراء فهم ايضا يلعبون البيس بول و كرة القدم الامريكية ، اما الهوكى فتلك رياضة بيضاء بامتياز وليس أسوداً فيها الا ذلك القرص الصغير الذي لا تكاد تراه وهم يتقاذفونه بعصيهم المعوجة ،،،،،،،

اما التعليم فقد درس أوباما المحاماة ودافع عن حقوق المضطهدين والفقراء في ضواحي شيكاغو لطموح سياسي وبدواعى انتخابية ، اما يحيى فقد درس الشعب الليبي ليعيش ، وأسس نظريات كاملة عن كيفية تعايش الأقليات وسط هذا المجتمع العنصري المستعجل والذي يدهس كل شخص ضعيف أو عاجز أو ملون يقف في طريقه ولو بالصدفة ،،،،،،،

أما الثقافة ، فأوباما قد لف العالم ولد في أمريكا وعاش في اندونيسيا وزار كينيا وهو صغير وهو الان يسكن فى البيت الأبيض ،،،

اما يحيى فقد زار مرزق مرتين وأرسله ابوه في الصيف ليقرأ القران في كتاب أوجلة لكنه وجد نفسه بالخطأ فى جالو ثم جخرة،،،،،،وهو الان على سرير حديدي فى شقة رقم ٤ ، عمارة الحج كرومة،،،،

ولكن هذا لا يعنى ان يحيى أقل ثقافة و معرفة من أوباما !

فلو سألته عن الأحداث الجسام وتاريخها لإجابك بكل دقة ، فى التسعينات أى القبيلتين إنتصرت فى مجزرة رواندا ؟ ، هل هى الهوتو او التوتسي يا يحيى ؟ ((الهوتو طبعا ))،

كم مات من الطرفين ؟ ، ((تقريبا مليون الا خمسين الف )) وأين هم الان ؟ (( في نهر النيل يشربهم السوادين والمصرية ))

وما هي اخر اخبار تجمع سين صاد يا يحيى ؟ (( تمام يفكرو في أضافة حرف الالف ، ليصبح ألف سين صاد ، لكى تدخل أمريكا سمياً في الطبيخة فهي تمتلك الأجواء كلها من فوقنا ورئيسها منا وفينا ))

من مثل دور نيلسون مانديلا ؟ (( ممثلى المفضل مورغان فريمان ، ،،،،،،،))

هل هناك أسرع من يوسين بولت فى ركض المئه متر ؟ (( نعم زمان كان فيه بن جونسون بس للأسف مسكوه يزرط فى المنشطات ))

و من اين يسترزق هذه الايام رئيس بوركينا فالصو ،،،؟ (( لا تخف عليه فمقابر الأموال تملأ صحراءنا الكبرى ))

وماذا حل بالعقيد طيار جيري رولينغز هل مازال مرابطاً وصامداً في غانا ؟ (( لا لقد خسر الانتخابات أكثر من مرة، والان وقد إرتدت غانا بدلة الديموقراطية السمراء ، خلع هو بدلته العسكرية ، وهو يقضى الان معظم اليوم امام المرآة محاولاً تقليد مضغ أوباما للكلمات فقد أثرَ القائد الأممي الملهم على أسلوبه كثيراً على مدار السنوات ولكن العصر قد تغير وكذلك الرجال وكذلك الخطاب )) (( السر هو انك لكى تنجح عليك ان تبتسم اكثر من ان تتكلم يا جيري !))

ما شاء الله عليك يا يحيى !

حدث نفسه ، الحمد لله على أى حال ، انا راضٍ على أمورى ، ماشى الحال الواحد مفروض يتفائل ،،،،، حالى خير من حال عويلة الفخار المكسر،(( اقصد تاورغا ))،

نبي نغير جو لذا نفكر نحج عن أمى المسكينة هذا العام ، فقد قتلها البغدد مبكراً وهى صغيرة ،،،،،،،يستر الله فى القرعة

اقترب الفجر قال في نفسه وهو يحاول النوم (( الامل الوحيد في الديموقراطية )) (( كل واحد يأخذ حقه والجميع متساوون امام القانون ، ربى يحفظ حكومتنا ومؤتمرنا، والشريعة ان شاء الله تحل مشاكلنا كلها ))

هدأت نفسه فأخذ جنبه الايمن ومد يده فأشعل جهاز الراديو الصغير الذي بجانبه لعله ينام على نغمات الموسيقى الهادئة ، ولكنه سمع خبراً يقول بأنه قد تم فجر اليوم إعتقال رئيس الوزراء حافياً وهو فى البيجاما ، اطفأ الراديو ، وخلع البيجاما اللعينة ولبس شورت نادي التحدي ونام ،،،،،،،،،،،،،،،

د هيثم بن على أكتوبر 2013

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: