السُّلطة والرِّفاق القوَّة التأثيريّة للكرسيِ على صاحبه

shukri senki

شُكْري السنكي

انطلقت حركات احتجاجيّة سلمية فِي بعض البلدان العربيّة، سرعان مَا تحولت إِلى ثورات، فِي أواخر عَام 2010م ومطلع عَام 2011م، متأثرة بالثورة التونسيّة التي أوقدها الشاب محَمّد البوعزيزي (29 مارس / آذار 1984م – 4 يناير / كانون الثاني 2011م) حينما أشعل النَّار فِي جسده يوم الجمعة الموافق 17 ديسمبر / كانون الأوَّل 2010م احتجاجاً على مصادرة سلطات بلدية مدينة سيدي بوزيد للعربة التي كان يبيع عليها الفاكهة والخضار مصدر رزقه الوحيد والتي كان يعيل بها عائلته فِي بلد يعاني مِن البطالة والفساد المالي والظلم والتهميش والإقصاء، وأدَّت حادثة البوعزيزي إلى خروج أهالي سيدي بوزيد إِلى الشّوارع فِي حركة احتجاجيّة والتي سرعان مَا انتقلت إِلى باقي المدن التونسيّة لتصبح ثورة عارمة أجبرت الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فِي النهاية على التنحي عَن السلطة والهروب إِلى المملكة السّعوديّة فِي 14 يناير / كانون الثاني 2011م. أطاحت الثورات العربيّة بحكم زين العابدين بن علي فِي تونس، ومحَمّد حسني مبارك فِي مِصْر، ومعمّر القذّافي فِي ليبَيا، وعلي عبدالله صالح فِي اليمن والّذِي تنازل عَن صلاحياته لنائبه عبد ربه منصُور هادي بموجب مبادرة مِن مجلس التعاون لدول الخليج العربي.

نجحت هذه الثورات فِي إسقاط أنظمة دكتاتوريّة وحكام مستبدين حكموا بلدانهم لسنوات طويلة وعقود مِن الزمان، ورُسمت خرائط الطريق للانتقال مِن الحالة المؤقتة إِلى حالة الاستقرار. وَالّذِي حدث، رُسمت الخرائط على عجل، وبشكل متسرع ﻭﻣﺨﺎﻟﻒ لأسس الحوار الوطنيّ الّذِي كان يجب أن يُعقد لإنجازها، وصدرت فِي شكل تعديلات وإعلانات دستوريّة، أثبتت الأيّام أنها خاطئة ومِن الأسباب الرئيسيّة التي أدَّت إِلى انفلات الأمور فِي بلدان الثورات العربيّة بعْد سقوط أنظمتها الطاغية المستبدة.  
تجاوزت خريطة الطريق فِي ليبَيا المصاغة فِي الإعلان الدستوري الصّادر يوم 3 أغسطس / أب 2011م، الشرعيّة الدّستوريّة المتمثلة فِي دستور المملكة الِلّيبيّة الصّادر فِي 7 أكتوبر / تشرين الأوًّل 1951م، والّذِي كان الثمرة لجهاد الِلّيبيّين والأساس الّذِي قامت عليه الدولة أو كمَا قال الأستاذ سمير الشّارف:..”.. هُو الشهادة الرَّسميّة لميلاد الدولة الِلّيبيّة – دولة الاستقلال. وهُو مَا ينبغي التمسك به والعودة إِلى شرعيته، وإن كان هُناك مَا يستوجب لتعديله فيتمّ تعديله وفقاً للآلية التي نصّ عليها والتي يجب احترامها..”.

وَيُضَاف إِلَى ذَلِك، أن خرائط الطريق أدَّت إِلى مشاكل أخرى وانفلاتات أمنيّة وأزمات متلاحقة شهدتها ولازالت تشهدها بلدان الربيع العربي، كذلك، وصول نخبة إِلى سدة الحكم ليست فِي مستوى المرحلة وأثر ضعف أدائها على أداء الدولة ككل. هذه النخبة، وقع بعض أفرادها فِي شباك السّلطة وأحضانها أو كمَا قال الأستاذ عثمان الزياني:..”.. كرسي السّلطة حافل بالمغريات والإغراءات التي لها قوَّة تأثيريّة واختراقيّة للعقول وآسرة للقلوب أيْضاً، تجعل الجالس عليه يتعرض لتنويم مغناطيسي، ويحوله إِلى شخص يأتمر به وينزع عنه كينونته الذّاتية ويدخله فِي غياهب الاغتراب وحالات الانفصام ويتحول إِلى (الشخص النقيض) المتنكر لأصوله..”.

وبعْد سقوط نظام معمّر القذّافي فِي ليبَيا، تعاملت النخبة التي وصلت إِلى مراكز القيادة أو بعضها تجنباً للتعميم، مع السّلطة بانبهار وانغماس تّام فِي ملذاتها وامتيازاتها. لم تجابه هذه النخبة الأخطار والمشاكل التي تواجه البلاد مُنذ إسقاط النَّظام، بسياسات إستراتيجيّة تذهب إِلى مواجهة الأخطار والمشاكل مِن منبتها أو جذورها إنّما تعاملت معها بسياسة إطفاء الحرائق العارضة بدلاً مِن مواجهتها على نَحْو إستراتيجيّ.

كان المتوقع مِن هؤلاء ألا يطالبوا بمرتبات عاليّة وامتيازات خاصّة ويُوسعوا مِن صلاحياتهم، بل كان المنتظر منهم أن يبذلوا الغالي والرخيص مِن أجل تحقيق أهداف الثورة والوصول بسفينة الوطن إِلى برّ الأمان. وكان التصور أن يقوموا  بتأسيس مراكز  الدّراسات أو بنوك التفكير على غرار الموجودة فِي الغرب، المعروفة بإسم (think – tanks)، ومهمتها تحليل المعلومات وإنتاج الأفكار وصناعة الرؤى ووضع التصورات أمام صناع القرار. وكان المأمول أن يحيط أصحاب المسؤوليّات الكبرى فِي الدولة أنفسهم بأكاديميين وخبراء ونخبة مِن المُثقفين مِن أجل وضع تصور إستراتيجي لمواجهة المخاطر والمشكلات على نَحْو أبعد وأعمق مِن الحلول السريعة المؤقتة أو اليوميّة، ولكننا رأيناهم يحيطون أنفسهم بدلاً مِن هؤلاء بمجموعة مِن الأقارب والأصهار وأبناء العمومة والموالين وآخرين يسهرون على تلبية طلباتهم واحتياجاتهم. وكان المتوقع منهم أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي ولكن الدور استهواهم وانغمسوا فِي عالمهم الجديد ففكوا ارتباطهم بصداقاتهم القديمة وماضيهم.

وَمَا يُشار إليه فِي هذا الصدد، حبّ الظهور والرغبة فِي البروز، اللذان سيطرا على هؤلاء فِي عصر الصورة وسيطرتها على حيَاة النَّاس فِي عالم السماوات المفتوحة وثورة الإتصالات. فقد غدَّت عدسات التلفزيون وكاميرات الفضائيّات فِي هؤلاء، حبّ البروز والشهرة، فتعاملوا مع السّياسة بعقلية النجوميّة فطغت عليهم شهوة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحبّ الظهور، والرَّغبة فِي الحديث بدلاً مِن التفكير الجاد فِي الخروج من الأزمة والعمل على إحراز تقدم مبكر مِن خلال تبني حلول قابلة للتطبيق والتنفيذ وفق خطّة مدروسة تهدف لحل المشاكل مِن جذورها.

وَمِن ناحيّة ثانيّة، فأن التحولات المفاجئة فِي حيَاة الإنْسَان، تقوده بالضرورة إِلى فقدان التوازن بل كثير مَا تأخذه الأضواء والاستمتاع بالسّلطة بعيداً عَن المبادئ والقيم الوَطَنِيّة وهُمُوم النَّاس. وكثيراً، مَا تنتزع السّلطة مِن الشخص صاحب الرَّصيد السّياسي النّضالي بمجرَّد حصوله على كرسي المسؤوليّة، هويته السّياسيّة، وتجعله ينبهر بالأضواء ويزداد إعجابه بها، وتقوده الامتيازات الماليّة والطائرات الخاصّة وقصور الضيافة وصالات كبار الزوار والبروتوكولات التي لم يعتدها مِن قبل إِلى عالم أخر يجعله يبتعد كل البُعد عَن رفاق الأمس الذين قد ينصحونه ويقوِّمون اعوجاجه حينما يحيد عَن الصّواب، وبعدها تغرقه فِي المنفعة والاستمتاع بالحيَاة الجديدة وكأنه فِي حالة انتقام مِن أيّام الحرمان والعيش مُبعداً أو مُطارداً.

هذا التحول وصفه الأستاذ عثمان الزياني بما يلي:..”.. يتحول المُناضل السّياسي الّذِي له تاريخ حافل بالنَّضالات والاعتقالات إِلى خديم للسّلطة مجرَّد حصوله على كرسي المسؤوليّة، وينقلب على مبادئه وتصوراته ويركب منطق التبرير والتسويغ والتضليل وتسويق إملاءات السّلطة والتطبيل والانصهار الكلي، فهذا الكرسي ينزع عنه هويته السّياسيّة ويفقده بوصلة السير الصحيح، وينساق وراء الكسب والانتفاع الماديين الذاتيين وكأنه فِي حالة مِن الانتقام مِن كلِّ الأيام التي عانى فيها مِن الحرمان. ثمّ يذهب فِي هذا المسار الّذِي يجعله محل الاتهامات المجتمعيّة التي يندثر وينمحي معها رصيد تاريخه النّضالي السّياسي، ويتمّ تصنيفه ضمن خانة النخب التي حفل تاريخها السّياسي بالانتهازية والوصوليّة طبعاً وتطبعاً..”.      

وفِي موقع أخر يقول:.”.. قد ثبت علمياً أن مناصب السّلطة والمسؤوليّة تحدث تغييرات محوريّة ومفصليّة فِي سلوكيات الأفراد ونفسيتهم وتصرفاتهم، وهي مسألة طبيعية تخضع لمتغير طبيعة الانْسَان/الفرد فِي حد ذاته، لكنها تتحول إِلى حالة مرضيّة حيث يصبح الفرد عبداً لمنصبه، وينقلب فِي طبائعه بشكلِ كلي وينمو لديه حتَّى السّلوك العدواني فِي التصرف حالة إحساسه بوجود تهديد حقيقي فِي فقدان منصبه، كمَا إنّه حتَّى فِي حالة وجود تنازعية على مستوى العلاقة بين المصلحة العامّة والمصلحة الشخصيّة، تغلب كفة هذه الأخيرة بشكل انحرافي ودون إعارة أيّ أهمية تذكر حتَّى للمعايير الأخلاقيّة..”.

ويحضرني فِي هذا المقام ثلاثة قصص واقعيّة، علها تكون مفيدة لأصحاب المناصب والمسؤوليّات الكبرى فِي الدولة. وتعود بالنفع على أداء الّذِين يتصدرون المشهد وبيدهم سلطة التنفيذ وحق إصدار القرارات وبالتالي تعود بالفائدة على المواطنين ومؤسسات الدولة والوطن بشكلِ عامّ.

الأولى وقعت فِي عَام 1952م، وحدثت للأستاذ منصُور رشيد الكيخيّا الّذِي شارك فِي الاحتفال بالذّكرى الأولى لاستقلال ليبَيا الّذِي انعقد فِي مدينة بّنْغازي، وكان ذلك قبل تخرجه بأقل مِن سنتين. كان يدرس وقتئذ فِي كلية الحُقُوق بالقاهرة والتي تخرج منها فِي عَام 1954م، وحضر الاحتفال ممثلاً للطلبة الدّارسين فِي مِصْر، وقد ألقى كلمة بالمناسبة فِي حضور عدد مِن أعضاء الحكومة ومجلسي الشّيوخ والنواب ومدراء الدوائر الحكوميّة، وعدد مِن ممثلي الدول العربيّة والأجنبيّة والوفد الرَّسمي الممثل لهيئة الأمم المتَّحدة بالإضافة إِلى عدد مِن مشايخ البلاد ووجهائها وأعيان مدينة بّنْغازي. جذبت شخصيته الأنظار واستطاع أن يقدم مثالاً يحتذى به، وفرح وفد الدولة الرَّسمي بهذا الجيل الواعد مِن الشباب مِن أمثال منصُور الكيخيّا باعتبارهم الأمل المشرق والمُسْتقبل الواعد للوطن. نالت كلمته استحسان الحضور، فصفّقوا لها بحرارة وإعجاب. وأثنى ممثل الأمم المتَّحدة فِي كلمته على منصُور  وأطراه، وقال:..”..إن ليبَيا ينتظرها مُسْتقبل باهر بشبابها الواعد مِن أمثال منصُور الكيخيّا..”.

وروى ليّ الأستاذ منصُور مَا حدث له فِي هذا الاحتفال، وقال:..”.. أنا كنت فِي سن الشباب وهي سن خطيرة جداً، وكان مِن الممكن أن تدخلني كلمات الإطراء والثناء والتصفيق فِي دائرة الغرور، والإعجاب بالنفس والشعور بالتفوّق على الآخرين وبالتالي الاستهانة بهم. ومَا حدث، أن مشهد التصفيق الحار لم يفارق مخيلتي لعدة شهور، وقد أيقظني مرَّات عديدة مِن النوم. أقول هذا، لأؤكد بأن الإنْسَان بطبيعته وسليقته يحب الحظوة والوجاهة والظهور والثناء على أقواله وأعماله، ويتعامى أحياناً عَن نقائصه وعيوبه بل يغالي فِي تقييم نفسه، فالنفس أمارة بالسوء. ومَا قلب حال حكامنا إلاّ التصفيق والتَّهلِيل وقصائد الإطراء والمدح، والتي حوّلت الحاكم فِي منطقتنا العربيّة إلى زعيم مؤلّه !، وصار كلّ شيء فِي البلاد يسبح بإسمه وكاد رجال إعلامه يعبدونه مِن دون الله تعالى والعياذ بالله. وحَقِيْقَة، أن الإنْسَان كائن ضعيف مِن السهل أن يستسلم للتصفيق والمدح والإطراء فيصاب بالغرور والكبرياء وداء العظمة. وأن السّلطة والمال والأضواء والشهرة يمكن أن تقلب حياة الإنْسَان  رأساً على عقب، وقد قيل: (كلِّ سلطة مفسدة، والسّلطة المطلقة مفسدة مطلقة). ولذا، لابُدَّ مِن إدراك تام لهذه الحقائق، والتعامل بوعي وإرادة مع الإغراءات ثمّ العمل على ترويض النفس بشكل دائم على التواضع. فالشّاعر يقول:

تواضع إذا مَا نلت فِي النَّاس رفعةً *** فأن رفيع القوم مَنْ يتواضعُ”. 

وفِي حادثة أخرى، روى ليّ الأستاذ منصُور قصّة الزعيم الغاني كوامي نكروما (1909م – 27 إبريل / نيسان 1972م) الّذِي ناضل مِن أجل حريّة وإستقلال بلاده، فترأس مؤتمر ساحل الذهب (إسم غانا سابقاً)  وأسس صحيفة (أخبار المساء) وتمّ اعتقاله فِي عَام 1948م وأفرج عنه بعد شهور مِن سجنه. اعتقل مجدداً فِي عَام 1951م وحوّله الاعتقال الثّاني إلى أسطورة فِي وجدان الشّعب الغانى، فاختاره الشّعب فِى عَام 1951م عضواً فِي المجلس التشريعى عَن دائرة أكرا ثمّ صار فِي عَام 1952م رئيساً للوزراء. كافح مُنذ توليه لهذا المنصب مِن أجل السّيادة الوطنيّة وإصدار دستور جديد للبلاد والّذِي تم إصداره ثمّ تنفيذه اعتباراً مِن أبريل / نيسان 1954م لتصبح الحكومة وطنيّة والوزارة كلها أفريقيّة.

واصل نكروما كفاحه إِلى أن أعلن رئيس وزراء المملكة المتَّحدة يوم السّادس مِن مارس / آذار 1957م إستقلال ساحل الذهب تحت إسم (غانا) فأصبحت غانا دولة مستقلة ودخلت فِى الأمم المتَّحدة، وقال نكروما بمناسبة الإستقلال:..”.. إليكم عنا، فهذه بلادنا، ونحن أصحابها، ونحن جديرون أن نتولاها، لقد ولدنا اليوم، ولكننا ولدنا أقوياء..”.

أهتم نكروما بالتعليم ونشر الثقافة وتطوير الزراعة والصناعة فِي بلاده، وكان حلمه تحقيق الوحدة الأفريقيّة حيث قال فِي أحدى خطاباته:..”.. سوف يكون استقلالنا ناقصاً إذا لم يرتبط بتحرير البلاد الأفريقية كلها..”.

حكم البلاد بنهج اشتراكي ونظام جمهوري، وفِي عَام 1960م أقر دستور الجمهوريّة الغانية. وفِي نفس العام، انتخب رئيساً للجمهوريّة، وأعيد انتخابه فِي عَام 1965م. تعرض لعدد مِن محاولات الاغتيال بسبب فرديته وتصرفات حزبه التسلطية، وأثناء وجوده فِي الخارج فِي عَام 1971م، قام عدد مِن الضباط بإنقلاب عسكرى أبعده عَن السّلطة إِلى الأبد فعاش فِي المنفى وتُوفي فِي رومانيا يوم 27 أبريل / نيسان 1972م حيث كان يعالج من مرض السرطان، ودُفن فِي غينيا، وبعد مدة مِن الزمن أعيد جثمانه إِلى غانا حيث شيع رسميّاَ. قال الأستاذ منصُور الكيخيّا:..”.. كوامي نكروما أحد مؤسسي مُنظمة الوحدة الأفريقيّة، والّذِي سُمّيت الشّوارع بإسمه وغنى له ملايين الفقراء الأفارقة والعرب. هذا الزعيم، صُدمتُ حينما شاهدته فِي يناير / كانون الأوَّل مِن عَام 1961م فِي الدّار البيضاء فِي أوَّل مؤتمر قمّة لدول أفريقيا المحررة، وكان برعايّة محَمّد الخامس (1909م – 26 فبراير / شباط 1961م) رحمه الله، لقد أغتر نكروما بالسّلطة وأصبح نصف إله، الوفد المرفق له كان مكوناً مِن ثمانين (80) شخصاً، لكنه لم يستشر أحداً منهم ولم يعد إِلى أحدهم خلال القمّة. فقد تحول هذا المُناضل إِلى دكتاتور، وفعلت فيه السّلطة والأضواء مَا فعلت.

ورأيته فِي المرَّة الأخيرة فِي كوناكري قبل أن يتوفى بأيام، كنت مع الرئيس أحمَد سيكوتوري (1922م – 26 مارس / آذار 1984م). ولم أتعرف إليه حيث كان على فراش المرض والسرطان نال منه مَا نال. جلست وتحدثت إليه فأهداني كتبه وقال ليّ جملة واحدة: (أبلغ معمّر القذّافي أن خطأنا الكبير يكمن فِي تجاهلنا الإنْسَان العادي وغرقنا فِي السّلطة.. قل له ألاّ يغتر بالسّلطة)..”.

والقصّة الثالثة بطلها الشّيخ العلاَّمة محَمّد متولي الشعراوي (1911م – 17 يونيه /  حزيران 1998م) الّذِي صار وزيراً للأوقاف فِي إبريل / نيسان مِن عَام 1976م حينما اختاره السّيِّد ممدوح سالم (1918م – 25 فبراير / شباط 1988م) عضواً فِي حكومته. وكان قبل توليه للوزارة، شخصيّة معروفة ومشهورة فِي مِصْر والعالم العربي والإسْلامي باعتباره شيخاً جليلاً وعالماً كبيراً مِن علماء الدّين. وكان واسع الثراء، ويستقبله الملوك والأمراء والوجهاء بحفاوة واحتفاء. وزادت شهرته ووصل صوته لكل النَّاس مِن خلال تفسير القرآن الكريم فِي حلقات برنامج: (نور على نور) الّذِي كان يبثه التليفزيون المصري والّذِي انتقل منه إِلى إذاعات وتليفزيونات العالم العربي والإسْلامي بشكل عامّ. وبالرَّغم مِن هذا كله، ظلّ فضيلته قبل توليه للوزارة وأثناءها وبعد خروجه منها، يعيش حياة بسيطة متواضعة، ويكثر مِن الإنفاق فِي سبيل الله تعالى والتبرع بمبالغ مالية كبيرة ويحفز الخيرين على التبرع والإنفاق بسخاء. وكان يمارس حياة طبيعية فلم تمنعه انشغالاته الكثيرة عَن مُمارسة حياته بشكل طبيعي والتواصل الدَّائم مع النَّاس. وكان حريصاً على مداومة اللقاء والإتصال بالأصدقاء لأن ذلك كان يعتبره واجباً لابد مِن الاتيان به، ومسألة تقرّبه مِن نبض النَّاس وواقع الحال، وتبعده عَن البروتوكول والرسميّات بالإضافة إِلى اعتقاده بأن الصداقة تموت وتنتهي بالإهمال والابتعاد لفترات طويلة مِن الزمن.

حينما سُأل الشّيخ الشعراوي عَن سبب قبوله لمنصب الوزارة  أو لماذا قبل الوزارة ؟، أجاب قائلاً:..”.. أنا لم أقترب مِن دوائر السّلطة.. ولم أسع إليها.. بل لم تكن يوماً فِي حساباتي. كنت أرد على كل مَنْ سألني هذا السّؤال الّذِي تردد كثيراً: إذا كانت الوزارة خيراً فقد دخلنا فيه.. وإذا كانت شراً فقد خرجنا منه..”.

كان الشّيخ الشعراوي يروض نفسه حتَّى لا يُصاب بالغُرُورِ والتّعالي والتّكبّر، فقد نقل الكاتب الكويتي أحمَد الجار الله رئيس تحرير صحيفة (السّياسة) هذه الواقعة، فقال:..”.. طال أنتظار سائق الشّيخ متولي الشعراوي خارج المسجد، فدخل السّائق إِلى المسجد ليطمئن على أحوال الشّيخ، بحث عنه فِي مختلف أنحاء المسجد فلم يجده فساوره القلق مرَّة أخرى, وفِي النهايّة نزل إِلى المغاسل أو (الحمامات) فوجد الشّيخ الجليل رافعاً جلبابه ينظف الحمامات، وعندما سأله السّائق عَن سبب قيامه بتنظيف المغاسل والمرافق الصحيّة, أجاب الشيخ رحمه الله، بأنه شعر بالخيلاء في لحظة ضعف بعْد تقبيل النَّاس يده فأراد أن يروض نفسه على التواضع، وفِي تلك القصّة عظة لكل مَنْ يتعظ..”.

ويُذكر فِي السّياق ذاته، آخر مَا شاهده العالم أن إبني ولّي عهد بريطانيا وليام وشقيقه هاري  قاما بغسل المراحيض ناهيك عَن أداء جميع أعمال الخدمة العسكريّة الإلزاميّة.

وبعْد هذا أعود إِلى النقلات المفاجئة فِي حياة أيّ إنْسَان ومَا تحدثه مِن تغييرات مفصليّة فِي سلوكياته وتصرفاته. وَحَقِيْقَة، أن فقدان التوازن يحدث فِي حالات الانتقال المفاجئ أو غير المتوقع مِن النقيض إِلى النقيض كالانتقال دفعة واحدة مِن الفقر إِلى الغنى.. ومِن العزلة والإبعاد والعقاب إِلى مراكز النفوذ والوجاهة ومواقع السّلطة وامتيازاتها ومنافعها.. ومِن عمل حرَّ محدود إِلى وظيفة حكوميّة رفيعة دون درايّة وخبرة تراكميّة فِي العمل الإداري. ولذا، كان التدرّج سُنّة كونية فِي خلق الله للكون وللإنْسَان، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنْسَان على مراحل ثمّ نفخ فيه مِن روحه. وجعل التدرّج قانوناً مِن قوانين الكون التي لا تبديل لها ولا تحويل، حيث خلق السَّمَاوَات والأَرض فِي سِتَّةِ أَيَّامِ وهُو القادر على خلقها فِي لحظة أيّ كن فتكون. ويضيف الدّكتور محَمّد عمارة على هذا السّياق فيقول:..”.. بل إن التدرّج كان سنة مرعية ومطردة أيْضاً فِي الشعائر والعبادات – بما فيها الكثير مِن أركان الإسْلام – وليس فقط في أحكام الواقع والمعاملات. فالصلاة بصورتها التَّامة والحاليّة اكتملت فريضتها ليلة الإسراء والمعراج فِي السنة الثانية قبل الهجرة، الحاديّة عشرة مِن البعثة. والصوم فرض بالمدينة وكذلك الزكاة والحج إِلى بيت الله الحرام.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بقدَر وقدَّره تقديراً، وجعل السنن والقوانين حاكمة لكل عوالم الخلق والوجود والاجتماع الديني والإنساني (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً) (سورة الفتح:23)، فلقد شاء سبحانه أن تكون سنة التدرّج حاكمة فِي كلِّ ميادين التغيير..”.

ورُبّما نصل مِن خلال هذا إِلى الحالة التوازنيّة فِي تصرفات الأشخاص الّذِين وصلوا إِلى كرسي المسؤوليّة بصورة مفاجئة، فقد كان فقدان التوازن الصفة الغالبة على تصرفات سياسيى ليبَيا الجدد بحكم التحولات المفاجئة التي طرأت على حياتهم. وقد تمنَّيت ألاّ يفكر أحد مِن المُناضلين الّذِين كانوا فِي سجون القذّافي وفِي المنافي – وعلى الأقل خلال الخمس سنوات – فِي المناصب الوزاريّة والدّبلوماسيّة ورئاسة الأجهزة والمؤسسات الهامّة، والتفرغ بالكامل مِن أجل الحفاظ على مسار الثورة وحمايتها مِن الخطف والالتفاف ثمّ التأكيد على خوض الطريق الطويل والشاق, في بناء الدولة المدنيّة الدّيمقراطيّة الحديثة. ورُبّما تكون السنوات الخمس، بمثابة الجسر الّذِي يسهل وجوده عمليّة الاندماج ثمّ الانتقال مِن موقع إِلى آخر دون حدوث تحولات مفاجئة تربك التوازن وتؤدي إِلى انحراف عَن المسار الصحيح للثورة، فأغلب هؤلاء ظلّوا بعيداً عَن العمل الإداري لسنوات طويلة وبعضهم لم يمارس فِي حياته العمل الإداري الحكومي وليست لديه المعرفة والخبرة التراكميّة اللازمتان لإدارة الشأن العام.  

وتمنَّيت ألاّ يدخل أحد مِن هؤلاء، دوائر السّلطة، فِي هذه المرحلة بالذات، وذلك لإبعاد التفكير فِي نيل المقابل أو المكافأة مِن فكر أيّ شخص يسلك طريق الكفاح والنَّضال، ولأجل ترسيخ مبدأ التضحيّة الّذِي لا يقوم للنضال قائمة بدونه. وفِي الوقت الّذِي نرفض فيه المكافأة لا نعني مطلقاً التكريم، فالفارق بين الإثنين، ظاهرٌ وبيّن، فالتكريم مسألة رمزيّة معنويّة ومنحه ضرورة وواجب على كل دولة تريد أن تعزز فِي نفوس أبنائها حبّ الوطن وتغرس فيهم قيم الوفاء والتضحيّة والاعتراف والامتنان بالأدوار المميزة والأعمال الوطنيّة التي يقدمها أبناء الوطن المخلصون الأوفياء.

كمَا تمنَّيت ألا يتحول المُناضلون السّابقون مِن صفوف المُعارضة إِلى كرسي السّلطة، لأنّ الوطن بحاجة ماسة فِي هذه المرحلة الانتقاليّة، لتأسيس عمل منظم ممنهج يعمل على توحيد الرؤيّة ومواجهة المخاطر والتحديات، وبناء قوَّة وطنيّة تراقب عمل الحكومة وتقوِّم أدائها وتطوِّر أعمالها ومشاريعها الناجحة، سعياً لتثبت النهج الدّيمقراطيّ الذِي لا تقوم له قائمة بدون رقابة دائمة، مِن أغراضها أن تفرز مُعارضة فعالة.  

ولكن يبدو إن السّلطة لها جاذبيتها وسحرها، ومِن الصعب مقاومة امتيازاتها ومنافعها، والتمتع بمزاياها ومَا تمنحه مِن حظوة ووجاهة ونفوذ.

أَقول إِلى الرفاق الّذِين أصبحوا مِن أصحاب المعالي والسعادة، ضعوا أهداف الثورة ومصلحة الوطن نصب أعينكم، وكونوا أوفياء لماضيكم وصداقاتكم، وعودوا إِلى رفاق الأمس لأنكم لن تجدوا – وأنتم فِي هذا العمر – رفاق أوفي وأخلص منهم. راجعوا حساباتكم، وانقدوا ذاتكم، وتذكروا دائماً لو دام الكرسي لغيركم مِا وصل إليكم !؟.  

ولعلّ فِي بيت الشعر الّذِي قاله أحمَد شوقي الموعظة والتذكرة   

وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرِر *** يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ

وَخِتاماً، نكران الذّات وتغليب مصلحة الوطن والمواطن، شرطان مهمان مِن شروط وصول سفينة الوطن إِلى مرفأ الأمان.

وتقديم النصيحة لرفاق الأمس واجب، بحسبان أن الدين النصيحة كمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أسألوا أنفسكم أيها الرفاق: هل حميتم الثورة وأنجزتم أهدافها؟. وهل صنعتم مَا ينفع النَّاس، ومَا سيذكره لكم التَّاريخ؟. أم اغْتَرَرْتُم بكرسي المسؤوليّة ووجاهة المنصب؟.      

وَأَخِيْراً، لا تَغْتَرُّوا بالمناصب أيها الرفاق، وتذكروا بأنها زائلة ويبقى مَا ينفع النَّاس.. وأعلموا أن النَّاس لن يأتوا إليكم لتقبيل أيديكم، ولن يطلبوا منكم تنظيف المغاسل والمرافق الصحيّة، ولكنهم ليسألوكم أن تتعظوا بالتاريخ وتعتبروا.  

فهل ثمة مَنْ يعتبر!؟.

بقلم: شُكْري السنكي

مصَادِر وَمَرَاجِع

1) ويكيبيديا (الموسوعة الحرَّة)، ما جاء تحت عنوان (الثورات العربيّة) و(محَمّد البوعزيزي).     
2) الأستاذ عثمان الزياني – مقال بعنوان: ( سيكولوجيّة كرسي السّلطة فِي المغرب: بحث فِي القدرات الاستيلابيّة)، نُشر فِي موقع (الحوار المتدن( بتاريخ 30 سبتمبر / أيّلول 2011م.     
3) الأستاذ عثمان الزياني – مقال بعنوان: (غواية المنصب والوقوع فِي مهالك السّلطة)، نُشر فِي موقع (هسبريس) بتاريخ 12 مارس / آذار 2013م.   
4) الأستاذ السر النور أبوالنور – مقال بعنوان (كوامى نكروما – الزعيم الأفريقى المُناضل)، نُشر فِي موقع (حريات) – صحيفة سودانيّة ديمقراطيّة مستقلة، بتاريخ 14 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2012م.
5) الأستاذ بشير البكر – حوار بعنوان (منصُور الكيخيّا عَن حقبتي السّنوُسي والفاتح)، نُشر فِي مجلّة (الشّروق) بتاريخ 4 أغسطس / أب 1993م.
5) الدكتور محَمّد عمارة – دراسة بعنوان (سنة التدرّج فِي الإصلاح)، نُشرت فِي مجلّة (حراء) الإلكترونيّة وموجودة فِي أرشيف المجلّة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: