"كل صغير جميل" التجربة الفيدرالية وتنوّعها!

 

2013-11-09_225640

عبدالحفيظ غويل

رغم اعتزالي للنقاش السياسي هذه الأيام تجنباً للتخوين والتجريم، المنتشر في كل ساحات ليبيا، إلا انّه قد يستهويني نقاش ما، فأقفز لتلقفه حين يكون ناضجاً وصادقاً، وهذا ما حصل لي حين قرأت مقالة السيد على عتيقة “تجربتي مع الفيدرالية في ليبيا” التي رغم صدقها تظل تجربته هو وليست تجربة كل الليبيين!

السيد عتيقة نشر اخيراً مذكراته في كتاب يناهز السبع مائة صفحة فالسيد عتيقة هو من كان وزيراً للتخطيط في ليبيا أيام المملكة، وهو رجل وطنيّ لا شك في ذلك، لكنّ وطنيته لايجب أن تعمي بصره عن رؤية بعض المسلمات التي يجب وضعها في الحسبان.

أولاً إذا كان الخوف من الفيدرالية ناجم عن الخوف من الانفصال، فالانفصال ليس مردّه للفيدرالية، فالفيدرالية تعني الاتحاد، أما ما يقود إلى الانفصال فهو المركزية!  الفيدرالية هي نظام إداري، يسترشد بالقاعدة التي وضعها عالم الاقتصاد البريطاني شو ماكر والتي ضمّنها في كتابه “كل صغير جميل” فالتجزئة طبقاً لطرحه ليست قبيحة بل هي جميلة،  فالتسيير قد يسهل إذا اشتغلنا بكل جزء على حدة.

لا أدري إن كان السيد على عتيقة لا يزال يعلم أم أنه نسي أن خريطة ليبيا بحدودها الراهنة هي من صُنع سايكس وبيكو، وليست من صنع الليبيين،  بل وكل خرائط البلدان العربية هي من نتاج مشروعهما الشمولي الانفصالي الذي ألغى الاقاليم لصالح البلدان، فهم من قسم المنطقة بخرائط منفصلة لم يعرفها العرب من قبل، حيث كانت الأقاليم أو الولايات تسير بطريقتها الخاصة فالإدارة فيها كانت ذاتية!

الاتوقراط العرب أو الدكتاتوريون العرب أوالعسكر الانقلابيون، سميهم ما تشاء، هم من حافظ على تقسيمات سايكس وبيكو خدمة لطموحاتهم واستغلالاً لمبدأ الاحتلال، فالشمول هو الأفضل بالنسبة لهم وهذا ما جعل كل منهم يحتل خريطته ويقودها بنفسه، ويجعلها مزرعة له ولأبنائه. فهم من قفز على عربة السياسة وقادها من الخلف بطريقة شمولية. الاوتوقراط الانقلابيون، هم من جسد رغبة الغرب في الخريطة الجديدة وليس الفدراليون. الأوتوقراط هم من حافظ على هذه الخريطة وهم من أحبّها ومنهم من تمناها أوسع من ذلك لتشمل كل البلاد العربية كي يضمها إلى مزرعته، وتلين له قبضتها، وحكمها. هؤلاء العسكر كانت رغبتهم في اتساع الخريطة ليس حبّا للعروبة ولكن حبّا للمُلك واتساعه، فهم من نادى بشعار وطن عربي واحد، تبعهم في ذلك السوقة والعامة. مناداتهم بالوحدة لم تكن محبّة في الوحدة، بل كانت محبّة في الاتساع والشمول، اتساع القبضة، أما الوحدة فقد تنشأ بدون دمج للحدود أو دمج للكيانات الاجتماعية والسياسية. ها هي اوروبا موحدة الآن بدون دمج خرائط، أو دمج حكم أو توحيد أعلام.

رغم كل هذا يظل المشروع الفيدرالي مشروع ناضج وناجم عن الطبيعة البشرية التي أيّدتها السماء حين أكّدت اختلاف الألوان والألسنة ونحن نضيف إليها اختلاف الثقافات الذي هو لبّ القضية. فالثقافة البرقاوية هي ثقافة تختلف عن الثقافة الطرابلسية في تسيير الأمور، وهي أيضاً تختلف عن ثقافة أهل فزان الذين هم أقرب للأفرقة منه لسكان الشمال. لقد زاد من تعميق ثقافة الاقاليم، بعدُ واتساع هوة الفراغ بينهما! فبنغازي التي تبعد ألف كيلومتر عن طرابلس وألف كيلومتر عن فزان هي ما جعل من سكانها لهم ثقافتهم الخاصة.

يجب دعم المشروع الفدرالي، ليس بفرضه قبل نضوجه ولكن بالنقاش فيه والاسهام في خلقه كي ينمو صحيحاً ويُطرح كاملاً. أما طرحه الآن فهو الأخطر على المشروع وعلى البلاد! فليبيا اليوم غير مستعدّة له، لأن أولوياتها الآن هي الأمن ثم الأمن ثم الأمن.

أعود فأقول أتمنى أن يدوم النقاش ويدوم الاجتهاد في الموضوع وينضج الطرح فيه، حتى نرى ليبيا وقد زاد استيعابها له، واكتمل عودها بتنفيذه، لتصبح قادرة على اتمام مشاريعها الصالحة لكل مواطنيها.

أدام الله ليبيا وأدام اهلها لها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: