شكري السنكي : قصّة بطل .. محَمّد هاشم الحضيري رمزاً مِن رموز الصمود

 

صورة 1

 آيا مايو لَكَ انْحَنَتِ الشُّهورُ   وهامتْ فِي مَعانيكَ الصُّدورُ

سّمَوْتَ، فما يَرُومُ ذراكَ وصفُ  ولا كَلِمُ تُدَبِّجُهُ السُّطورُ

فَأَنتَ بِأَرضِ محْنَتِنَا سماءٌ   وأنْت لِطولِ غَيْبَتِنَا الظُّهورُ

ففيك أنْجابتِ الظّلْمَاءُ عنَّا  وزَحْزَح ليلَنَا فَجْرٌ مُنيرُ

كَأَنّكَ لِلّذِين غَفَوْا صباحٌ   ولِلمَوْتَى مِنَ القبرِ النُّشُورُ

وكانَ عذابُنَا صَمْتَا ضَعيفاً   نَفَخْتَ بِه فَصَارَ لَهُ هَدِيرُ

وكانَ الظُّلم عِمْلاقاً مُخِيفاً   تَخِرُّ له الرِّقابُ مَتَى يشيرُ

أشرْت لهُ بسيفِ الْحَقِّ حَتَّى    غدا فِي عيْنِنَا وَهوَ الصَّغِيرُ (1)

تعرفت على محَمّد هاشم فِي نهاية شهر مارس / آذار من عَام 1981م حينما وصلنا سوياً إِلى مدينة فولفسبورغ فِي ألمانيا ودرسنا اللغة الألمانيّة بمعهد جوته. وتوطدت علاقتنا فِي فولفسبورغ ثمّ براون شفايخ، واستمرت حتَّى ساعة خروجنا مِن ألمانيا إِلى السّودان صباح يوم السبت الموافق 28 مايو / أيار 1983م.

أصبحنا أصدقاء فِي ألمانيا، وتعمقت علاقتنا حينما جمعنا موقف واحد مناصر للطالبين أحمَد شلادي والهادي الغرياني اللذين تعرضا للضرب والتعذيب يوم 13 نوفمبر / تشرين الثّاني 1982م داخل مبنى السفارة الِلّيبيّة في بون تحت إشراف مُصْطفى الزائدي الملحق الصّحي بالسفارة.

جمعنا الهم الوطنيّ، وبمرور الوقت قادنا الاهتمام بقضايا الوطن وعذابات المواطن، إِلى بلورة موقفنا فِي إطار يكفل خدمة قضيتنا الوطنيّة على نَحْو أكثر فعاليّة وجدوى وذلك حينما اتخذنا قراراً بالانضمام إِلى صفوف المُعارضة المُنظمة فِي الخارج. وزادت علاقتنا رسوخاً وعمقاً بعْد هذا القرار، وتمّ الإعلان عَن قرارنا وموقفنا مِن نظام معمّر القذّافي بشكل رسمّي فِي مؤتمر صحفي عُقِدَ فِي الخرطوم فِي الثّاني مِن يونيه / حزيران مِن عَام 1983م.

انضم محَمّد هاشم إِلى صفوف الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، والتحق بجناحها العسكري فتدرب على جميع أنواع الأسلحة وتعلم فنون القتال، وعُرف بجرأته وحماسه النَّضالي وحسّه الوطنيّ الرفيع.

دخل إِلى أرض الوطن فِي مطلع عَام 1984م، واستشهد أثناء المواجهات مع قوَّات معمّر القذّافي فِي يوم الثامن مِن مايو / أيار 1984م.

دفع محَمّد هاشم حياته ثمناً مِن أجل قيمة العدل والحريّة وكرامة الوطن والمواطن، وكان أمله أن يستمر رفاقه بعْد الإطاحة بنظام معمّر القذّافي، فِي مواصلة المشوار وتحقيق أمن البلاد واستقرارها وترسيخ الدّيمقراطيّة كنهج فِي إدارة شئون الدولة، وألا يتحول هؤلاء الرِّفاق بعْد تحقيق هدف الإطاحة، مِن صفوف المُعارضة إِلى كرسي السُّلطة، لأن الوطن فِي مراحل الانتقال يكون بحاجة ماسة إِلى قوى وطنيّة تتابع وتراقب وتصحح سعياً لتثبت المعاني الساميّة وتحقيق الأهداف والغايات المنشودة. وكان أمله أن يبتعد الرّفاق عن مواقع السّلطة وضغوطاتها ومِن اللقاء بها مَا أمكنهم مِن ذلك. فكرسي السُّلطة له قوَّة تأثيريّة وحافل بالمغريات والإغراءات وقد يحوّل الشخص الّذِي يصل إليه إِلى الشخص النقيض. وكانت أمنيته أن يأتي رجال السُّلطة إِلى أبواب المُناضلين وليس العكس. والمعنى، بئس المُناضلون على أبواب الحكام، ونعم الحكام على أبواب المُناضلين. أو كمَا قيل – وبالقياس – فِي الكلمة المأثورة:..”.. إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك، فبئس العلماء وبئس الملوك. وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء، فنعم العلماء ونعم الملوك..”.

رجعت بالذاكرة إِلى أيام فولفسبورغ وبراون شفايخ ثّمّ شارع الجمهوريّة بالخرطوم ومعسكر (جبل منذرة) الواقع بجبل الأولياء فِي السّودان. ولملمت أفكاري وذاكرتي، ورجعت بالشريط إِلى مَا يقارب عَن (35) خمسة وثلاثين عاماً، لأروي قصّة بطل يستحق أن تروى حكايته ويُكتب عنه… ولأسرد وقائع معركة سُجلت فيها أسمى معاني التضحيّة والفداء يوم فضل محَمّد هاشم الحضيري أن يعطر تراب ليبَيا بدمه الطاهر الزكي نصرة للوطن الّذِي تربى على حبه والذود عنه.

المُقدِّمَة

فِي ظلِّ واقع القمع والقهر والاستبداد، وحياة خيمت عليها أجواء اليأس والخوف والرعب، وَفِي ظلِّ ظرف تاريخي صعب وعدو يملك القوَّة والدعم والعون الخارجي، دخل رجال الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا إِلى أرض الوطن لكسر حاجز الخوف وخلخلة السّلطة الحاكمة وبث الأمل فِي النفوس التي خيم عليها اليأس. دخل هؤلاء الرجال إِلى أرض الوطن على هيئة مجموعات صغيرة واحدة تلو الأخرى، وقاموا بسلسلة مِن الأعمال الفدائيّة، عُرفت باسم (أحداث مايو 1984م) أو (معركة باب العزيزيّة).

دخل الشباب إِلى أرض الوطن، ورتبت عناصر الجبهة فِي الدَاخل لهم بعض الأمور، وقدموا لهم بعض التسهيلات والترتيبات، ولكن العبء الأكبر كان على عاتق مجموعة الخارج أو كمَا قال سَالم عبْدالسّلام الحاسي:..”.. كان الجزء الأكبر مِن الترتيبات ملقى على عاتقنا نحن، وهذا يُمثَّلُ جزءاً مِن مهمتنا فِي نقل المعركة إِلى الدّاخل..”.

بدأ الشباب فِي السفر مِن السّودان إِلى تونس فِي مطلع عَام 1984م، وبدءوا الدّخول مباشرة إِلى الأراضي الِلّيبيّة بإشراف الأستاذ أحمَد إبراهيم إحواس (1938م – 6 مايو / أيّار 1984م) مؤسس وقائد قوَّات الإنقاذ (الجناح العسكري للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا)، وبترتب الأستاذ عَلي أبوزيد (اُغتيل فِي لندن فِي نوفمبر / تشرين الثّاني 1995م) القيادي بالجبهة والمُكلف بإدخال الشباب إِلى ليبَيا، وكان محَمّد هاشم الحضيري واحد مِن أولئك الشباب الأبطال الأشاوس الّذِين نذروا أنفسهم لإنقاذ الوطن وخدمة إنسانه وتراب أرضه الطيبة الطاهرة.

وفِي مايو / أيّار 1984م، دخل أحمَد إبراهيم إحواس إِلى أرض الوطن وبصحبته الشّيخ علي محَمّد البشير حمّودة والأستاذ عماد الحصائري، عبر الحدود التونسية البرية.

فِي السّادس مِن مايو / أيار 1984م، اشتبك إحواس ورفيقاه مع قوَّات القذّافي وجنوده وتبادلا إطلاق النَّار معهما، وأسفرت المعركة عَن سقوط قتلى فِي صفوف النَّظام واستشهاد أحمَد إحواس، والقبض على الحصائري وحمّودة بعْد إصابتهما برصاص النَّظام المعتدي المجرم الأثيم.

وَفِي الثامن مِن مايو / أيار 1984م، فاجأ أولئك الشباب المغاوير البواسل، معمّر القذّافي بدك صروح أوهامه واقتحام قلاعه وحصونه وثكناته فِي طرابلس عاصمة البلاد، وقاموا بعمل هز الأرض مِن تحت أقدامه، وزرع الأمل والتَّحدي فِي نفوس الِلّيبيّين.

والّذِي حدث، ضاعف خبر استشهاد أحمَد إحواس الإيمان والتصميم عند الفدائيين أو كمَا قال سَالم الحاسي:..”.. قد، ضاعف استشهاد إحواس، رحمة الله عليه، مِن الثقة فيه، وفِي كل مقولاته وتقديراته. وأثبت لنا أولاً وللعالم أجمع، بأن القصد مِن التوجه نَحْو العمل الفدائي لم يكن للمزايدة السّياسيّة أو لتحقيق أرصدة تستثمر لأغراض شخصيّة، وإنّما كان الهدف منه تحرير الوطن، وخطّوة نَحْو بناء ليبَيا المُسْقبل..”.

وبعْد استشهاد أحمَد إحواس، سقط فِي ميدان المعركة (11) أحد عشر شهيداً، وأعدم بعْد المعركة (9) تسعة مُناضلين على أعواد المشانق فِي مواقيت مختلفة ومناطق متفرقة مِن ليبَيا، وتمّ نقل الإعدامات مباشرة فِي التلفزيون الرَّسمي للنَّظام. وعلى مدار شهر كامل، بث التلفزيون مقاطع مِن المحاكمات الصّوريّة التي أجرتها لجان القذّافي الثوريّة ومشاهد الإعدامات، بقصد إرهاب المواطنين وطبع صورة فِي أذهانهم لمصير مَنْ يفكر فِي مُعارضة النَّظام واتخاذ موقف ضدَّه.

وبالرَّغم مِن انتشار قوَّات النَّظام وتشديد الرقابة على منافذ البلاد الجويّة والبحريّة والبريّة، تمكّن المُناضلان كمال أحمَد الشامي وسَالم عبْدالسّلام الحاسي مِن الخروج مِن ليبَيا بعْد مشاركتهما فِي الأعمال البطوليّة التي قامت بها قوَّات الإنقاذ فِي شهر شعبان 1404 هجري الموافق لشهر مايو / أيّار 1984م.

ارتعشت عناصر السّلطة الحاكمة وأصابها الهلع والفزع، وأربكت هذه الأعمال البطوليّة السّلطة فظهر ارتباكها مِن خلال تناقض تصريحات الناطقين الرسميين باسمها وفشل وسائل إعلامها فِي محاولات التضليل والتشويه والتعتيم عَن الحدث.

وَبعْد هذه الأحداث، قادت أجهزة النظام الأمنيّة حملة اعتقالات واسعة، وقرر معمّر القذّافي الاستمرار فِي سياسة التصفيّة الجسديّة وتشكيل ما أسماه بـ(المفارز الانتحاريّة) لاغتيال المُناهضين لحكمه داخل الوطن وخارجه. وقامت حركة اللّجان الثوريّة بحرق وهدم عدد مِن بيوت المُناهضين لحكم معمّر القذّافي، وكان مِن بينهم:

محَمّد يُوسف المقريَّف / بّنْغازي.

عمرو خليفة النّامي / نالوت.

محمود محَمّد الناكوع / الزنتان.

عُثمان علي زرتي / سوق الجمعة (طرابلس).

محَمّد سعيد الشيباني / طمزين.

وَخلاصة القول، استشهد محَمّد هاشم فِي معركة مايو المجيدة، وباستشهاده سجّل صفحة مِن صفحات تاريخ ليبَيا المشرقة، والكتابة عَن شخصِ بقامته غاية فِي الصعوبة حيث تعجز الكلمات ويعجز البيان على أن يفي حق مَنْ قدَّم روحه رخيصة مِن أجل مَرْضَاة اللَّه وتحرير الوطن مِن نير الظلم وقبضة الاستبداد.

وَنهاية القول، التذكير بتضحياته وتضحيات كافة الرجال الّذِين قدموا أرواحهم مِن أجل إنقاذ الوطن وكرامته ورفعته، يعزز الانتماء إِلى الوطن ويكفل السير فِي الاتجاه المنشود. وأن إطلاق اسم محَمّد هاشم الحضيري مقروناً بلقب الشهيد على أحد شوارع مدينة إجدابيا، واجباً اخلاقياً ووطنياً فليس هُناك مَنْ هُو أجدر بالتكريم مِن الرجال الّذِين تصدوا للمستبدين والقتلة بصدورهم، وقضوا فِي ساحة الجهاد وميدان المعركة.

المِيْلادُ وَالنَشْأَةُ (2)

الاسم هُو مُحَمّد هاشم الحضيرى، المولود فِي يوم السّابع مِن شهر سبتمبر / أيّلول 1962م بمدينة إجدابيا، المدينة التي تتعطر بتراب أرض الوطن الغالي، مركز أوَّل حكومة فِي تاريخ ليبَيا، وديوان الشعر الشّعبي وموطن الشعراء المعروفة باسم (عاصمة الشعر الشّعبي)، ومدينة الشمس كمَا سمّاها مبدع إجدابيا الكاتب مُصْطفى السعيطي فِي كتابه الصّادر فِي عَام 2003م عَن المدينة وتاريخها وأعلامها.

ووالدته هي الحاجة سليمة مُحَمّد مسعود التي انتقلت إِلى رحمة الله يوم 21 فبراير / شبّاط 2001م، ووالده هُو هاشم مُحَمّد رمضان الحضيرى الّذِي انتقل إِلى رحمة ربه فِي شهر أغسطس / أب 1974م. له أختان وهن أصغر منه سناً، وأربعة أخوة، اثنان أكبر منه سناً واثنان أصغر منه وهم: خليفة، علي، مفتاح، عبْدالوهاب.

درس فِي مدارس مدينة إجدابيا، فتلقى تعليمه الابتدائي فِي مدرسة (التقدم) أولاً ثم مدرسة (الاستقلال) التي تحصل منها على الشهادة الابتدائيّة. وتلقى تعليمه الإعدادي فِي مدرسة (إبراهيم الإجدابي)، وتعليمه الثانوي فِي المدرسة التي كان يطلق عليها (الفاتح) وتمّ تغيير اسمها بعْد الثورة إِلى (17 فبراير).

صورة 2 

انضم محَمّد إِلى الحركة الكشفيّة فِي سن مبكرة جداً مِن عمره، وكان مِن أبناء الحركة البارزين فِي المدينة، وفي الفرقة الأولى متقدم التي كان قائدها سعيد المصري.

وكان مِن مشجعي نادي (التعاون) الرياضي – نادي مدينة إجدابيا الشهير، ومِن محبي نادي (أهلي بّنْغازي) أشهر الأندية الِلّيبيّة الرياضيّة. وكان يعشق البحر ويحب السباحة ويجيدها أمّا كرة القدم فقد كانت تحظى باهتمامه ويستمتع كثيراً بمشاهدة مبارياتها ومتابعة أخبارها.

خرج إِلى ألمانيا الغربيّة (3) فِي 31 مارس / آذار 1981م ضمن البعثة الدّراسيّة التابعة لـ(الهيئة العامّة للتصنيع الحربي)، لدراسة (هندسة المعادن)، وكان معه فِي نفس البعثة مُصْطفى الجّالي بوغرارة (1959م – 8 مايو / أيار 1984م) الّذِي سقط فِي ميدان المعركة وهُو يدافع عَن دينه ووطنه وأبناء شعبه، رافضاً الاستسلام أو الانحناء أمام جنود الطاغية وقوَّاته، وظلّ يقاتل حتّى أخر رمق فِي حياته.

الحضيري وثيقة 1

درس اللغة الألمانية فِي مدينة فولفسبورغ (Wolfsburg) بمعهد جوته (Goethe Institut) المعتمد رسميّاً لتعليم اللغة الألمانيّة ثمّ انتقل إِلى مدينة براون شفايخ (Braunschweig) لمواصلة دراسته فأكمل فِي مدرسة ديتلف (Detlef Schule) مرحلة التدريب الفني العملي فِي مجال هندسة المعادن.

وخلال فترة إقامته بألمانيا، كان محَمّد هاشم مجتهداً في دراسته، ودائم الحرص على إثارة قضايا وطنه، ودعوة الِلّيبيّين الّذِين قابلهم بها إِلى ضرورة التضامن والعمل مِن أجل إنقاذ البلاد مِن الظلم والطغيان والاستبداد.

صورة 3

واشتهر بمتابعة أخبار الوطن والاهتمام بقضاياه، وبمواصلة زملائه وعلاقته الطيبة بهم. وعُرف بأخلاقه الحميدة وشجاعته وجراءته وجسارته، وكانت له مواقف رجوليّة مشرفة تتسم بالصّلابة والإقدام فِي مواجهة عناصر نظام القذّافي فِي ألمانيا الّذِين كلفوا بالإشراف على الطلبة بألمانيا ومتابعة نشاطهم ومراقبة تحركاتهم والتجسس على علاقاتهم واتصالاتهم مع غيرهم مِن الِلّيبيّين والأجانب.

تمّ الاتصال بينه وبين الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، أثناء وجوده فِي ألمانيا، وبعْد شهور قليلة مِن إعلان الجبهة عَن تأسيسها فِي 7 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1981م، وأعلن هُو ومجموعة مِن زملائه معارضتهم لنظام معمّر القذّافي وانضمامهم إِلى صفوف الجبهة رسميّاً فِي مؤتمر صحفي عقدوه فِي الثّاني مِن يونيه / حزيران مِن عَام 1983م فِي العاصمة السّودانيّة الخرطوم.

الموقف مِن نظام القذّافي وساعة استشهاده

خرج محَمّد هاشم وتسعة مِن زملائه مِن مطار فرنكفورت (Frankfurt Airport) صباح يوم السبت 15 شعبان 1404 هجري الموافق 28 مايو / أيار 1983م على متن لوفتهانزا شركة الطيران الوطنيّة الألمانيّة (Lufthansa) إِلى العاصمة السّودانيّة الخرطوم. وصلوا إِلى الخرطوم عصر نفس اليوم، وأقاموا لأسابيع فِي فيلا رقم (25) تابعة لرئاسة الجمهوريّة، كائنة بالقرب مِن السفارة اليونانيّة بشارع الجمهوريّة.

الحضيري وثيقة 2

وَبعْد وصول محَمّد هشام إِلى السودان، فرح كثيراً بلقاء السّيِّد على عبدالله الضراط رئيس مكتب الجبهة فِي الخرطوم، حيث ذكره بجيرانه ومدينته وبمرحلة مبكرة جداً مِن طفولته حينما كان يلعب وهُو فِي سنوات عمره الأولى أمام منزل الحاج عبدالله الضراط وقتما كان ابنه علي شاباً لا يتعدى عمره (17) سبعة عشر عاماً. وسره أن يلتقي فيما بعْد بالأستاذ محَمّد سعد امعزب حينما زار الخرطوم فِي مهمّة نضاليّة، وامعزب هُو أحد أبناء إجدابيا المعروفين وأحد أعضاء حزب التَّحرير والسجين السّياسي الّذِي تمكّن من الهَرَبِ من المعتقل فِي عَام 1981م وتوجّه إِلى الخارج وانضم إِلى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، وأقام عدة سنوات فِي المملكة المغربيّة.

صورة 4

وَالحَاصِل، عقد محَمّد هاشم ورفاقه مِن الطلبة الدارسين بألمانيا الغربيّة ظهر يوم الخميس 20 شعبان 1404 هجري الموافق 2 يونيه / حزيران 1983م مؤتمراً صحفيّاً بمبنى الإذاعة والتلفزيون فِي الخرطوم، وأصدروا بياناً للرأي العامّ العالمي جاء فيه أن سبب إتخاذ هذا الموقف هُو الحرص على ليبَيا أرضاً وشعباً، والتصدي لسلطة القمع والإرهاب المتمثلة فِي شخص معمّر القذّافي وأجهزته الجاسوسيّة وأدواته التخريبيّة، وبهدف إحلال بديل وطني ديمقراطي يحقق العدل والرخاء ويحافظ على مصالح ليبَيا ويطّور علاقاتها مع العالم الخارجي بما يخدم مصلحتها ومصلحة الغير.

لم يوقع على البيان ويشارك فِي فعاليات المؤتمر الصّحفي أثنان من زملاء محَمّد هاشم هما: مُصْطفى محَمّد الخفيفي وعَبْدالسّلام ميلاد بوغرارة بسبب بعض الظروف والإجراءات التي حتمت هذا الغياب، ووقع على البيان وشارك فِي المؤتمر الثمانيّة الباقون وقد افتتحه وأداره الأستاذ علي رمضان بوزعكوك المفوض الإعلامي لجبهة الإنقاذ وقتذاك.

وشارك فِي المؤتمر ووقع على البيان كلِّ مِن:

أسامة السّنوُسي شلّوف، مُصْطفى الجالي بوغرارة (1959م – 8 مايو / أيار 1984م)، عارف المَهْدِي دخيل، أحمَد مفتاح الكاديكي، محَمّد هاشم الحضيري (1962م – 8 مايو / أيار 1984م)، سِعْد عَبْدالله الأثرم (1957م – 5 نوفمبر / تشرين الثّاني 1996م)، عَبْدالسّلام محَمّد مرسي، شُكْري محَمّد السنكي.

دُعيت إِلى المؤتمر كافة وكالات الأنباء والصحافة والإذاعة العربيّة والأجنبيّة، وأجاب الطلاّب على أسئلة الصحفيين التي أكدوا فيها على ضرورة العمل مِن أجل تخليص ليبَيا مِن الأوضاع الكارثيّة التي تعيشها بسبب سياسات نظام القذّافي وتوجهاته التخريبيّة، ونددوا بنظام القذّافي الاستبدادي الهمجي ومَا يمارسه أذنابه مِن ضغوطات على الطلبة فِي الخارج وبالذات على مَنْ لهم صلة بـ(القوَّات المسلحة). كمَا أكد أحدهم بأن السفارات أو ما يُسمّى بـ(المكاتب الشعبيّة فِي الخارج) أصبحت أوكاراً للتجسس والإرهاب وبؤرة لإيواء الجواسيس والمجرمين والجلاّدين والعناصر المخابراتيّة.

الحضيري وثيقة 3

وبث التلفزيون السّوداني وقائع المؤتمر الصّحفي ليلاً، وقامت الصحافة السّودانيّة بتغطية الحدث ومَا دار فِي المؤتمر، ونقلت وكالات الأنباء العالميّة الخبر وأهمّ مَا تناوله الطلبة فِي مؤتمرهم المذكور. وبث راديو الجبهة: (صوت الشّعب الِلّيبيّ، صوت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) فِي اليوم التالي، تسجيلاً كاملاً لوقائع المؤتمر.

وَمِن ناحيّة ثانيّة، نشرت جريدة (الأيام) السّودانيّة بتاريخ 3 يونيه / حزيران 1983م تقريراً صحفياً عَن مؤتمر الخرطوم، تحت عنوان رئيسي: (مجموعة مِن الشباب العسكريين الِلّيبيّين تعقد مؤتمراً صحفياً بالخرطوم أمس) وعنوان أخر جاء أسفله: (الشباب يؤكدون تفاقم المُعارضة لنّظام القذّافي داخل ليبَيا وخارجها).. وعلّقت جريدة (القوَّات المسلحة) السودانيّة بتاريخ 4 يونيه / حزيران، عَن المؤتمر وردود الطلبة على أسئلة الصحافة المحليّة ووكالات الأنباء العالميّة، فِي تقرير صحفي نشرته تحت عنوان: (الطّلاّب الحربيّون الهاربون مِن جحيم القذّافي ماذا يقولون).. ونشرت صحيفة (الأخبار) المصريّة بتاريخ 3 يونيه / حزيران، تقريراً صحفياً كتبه مراسلها فِي الخرطوم، تحت عنوان: (8 ضبّاط ليبيّين يعلنون فِي الخرطوم: غُرف التعذيب فِي سفارات ليبَيا بالخارج).. وكتبت صحيفة (الميثاق) المغربيّة تقريراً عمّا دار فِي مؤتمر الخرطوم استناداً على ما نقلته الصحافة السّودانيّة ووكالات الأنباء العالميّة، ونشرته بتاريخ 3 يونيه / حزيران فِي صدر صفحات جريدتها الأولى تحت عنوان: (ضبّاط ليبيّون يعقدون مؤتمراً صحفياً).

الحضيري وثيقة 4

وبعد المؤتمر بأيّام، نشرت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا فِي صحيفة (أخبار ليبَيا)، النشرة الإعلاميّة الدّوريّة التي كانت تصدر مِن لندن ويرأس تحريرها الأستاذ عاشور الشامس، فِي عددها (25) الخامس والعشرين، الصّادرة فِي رمضان 1403 هجري الموافق يونيه / حزيران 1983م، تقريراً مختصراً عمّا دار فِي مؤتمر الطلبة الّذِين كانوا يتلقون تدريبهم فِي مدينة براون شفايخ الألمانيّة، تحت عنوان: (شباب ليبيّون يلجئون إِلى المُعارضة). ثمّ نشرت مجلّة (الإنقاذ) الناطقة باسم الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا التي كان يرأس مجلس إدارتها الأستاذ علي رمضان بوزعكوك، تقريراً مفصلاً مكّوناً مِن صفحتين شمل بيان الطلاّب للرأي العامّ العالمي، فِي عدد المجلّة الرَّابع والخامس، للسنة الأولى، الصّادر بتاريخ شوال 1403 هجري الموافق أغسطس / أب 1983م.

هذا، وقد أصدر الاتحاد العام لطلبة ليبَيا – فرع ألمانيا الاتحادية وبرلين الغربيّة، بياناً باللغة الألمانية مِن مدينة هامبورج (Hamburg) بتاريخ 2 يونيه / حزيران 1983م، أعلن فيه تضامنه التَّام مع طلبة التصنيع الحربي وثمّن موقفهم وخطوتهم الشجاعة، وعرض بشكل مختصر طبيعة دراسة هؤلاء الطلبة ومدتها ومَا تعرضوا له بعْد سحب جوازات سفرهم، مِن تقييد لحركة تنقلاتهم، ورقابة شديدة، وتفتيش لبريدهم الشخصي، ومراقبة علاقاتهم واتصالاتهم بشكل عامّ.

وتناولت جريدة مدينة براون شفايخ المعروفة: (Braunschweiger) خبر خروج هؤلاء الطلبة مِن مدينة براون شفايخ وإعلان معارضتهم للنظام نقلاً عَن بيان اتحاد الطلبة واتصال تلقته الجريدة مِن أحد أعضاء الهيئة الإدارية بالاتحاد.

وترجمة الخبر جاءت كمَا يلي:

هروب ليبيّين مِن مدينة براون شفايخ

براون شفايخ / هامبورج

اختفى تسعة ضباط ليبيّين كانوا يتلقون تدريبهم فِي مدينة براون شفايخ، وذلك لرفضهم العودة إِلى ليبَيا. جاء ذلك في بيان إِلى صحيفتنا هاتفياً مساء يوم الخميس مِن الاتحاد العام لطلبة ليبَيا فِي هامبورج. وفِي هذا البيان ذُكر بأن النظام قد حوّل الجيش إِلى أداة لقمع وتنكيل الشّعب الِلّيبيّ ولهذا ضميرنا لا يسمح لنا بأن نكون جزءاً مِن هذا الجهاز القمعي.

وذكر البيان بأن عدد المتدربين فِي مدينة براون شفايخ قرابة الخمسة والثمانين وهم فِي دورة مدتها أربع سنوات فِي شركات مِن القطاع الخاصّ. وأن هؤلاء المتدربين يوصفون رسميّاً مدنيين ولكنهم في الحقيقة هم ضباط تحت التدريب، وهذا التدريب هدفه تأهيلهم لإدارة مصانع الأدوات الحربيّة فِي ليبَيا. (أنتهى التقرير)

الحضيري وثيقة 5

وبعْد هذا الموقف العلني مِن النَّظام، تعرضت عائلات مجموعة ألمانيا إِلى التحقيقات المستمرة والمضايقات الدّائمة ثمّ المنع مِن السفر لمدة طويلة مِن الزمن. وتعرض بعض زملائهم للسجن، والمنع مِن مواصلة دراستهم حيث مُنِع أكثر مِن عشرين (20) طالباً مِن العودة إِلى ألمانيا بعْد رجوعهم إِلى ليبَيا وَمن مواصلة دراستهم داخل ليبَيا.

وكنوع مِن الضغط على الحكومة الألمانيّة وشركة سيمنز (Siemens) المتعاقدة مع هيئة التصنيع لتدريب الطلبة، حمّل نظام القذّافي الألمان المسئوليّة واعتبر مَا حدث هُو خطف أو إخفاء لهؤلاء الطلبة !. واتصل النَّظام بوزارة الخارِجِيّة الألمانيّة وإدارة شركة سيمنز والإنتربول فِي فيسبادن بألمانيا، وقد خاطبت السفارة السّودانيّة فِي بون خارجيتها فِي الخرطوم بتاريخ 27 يونيه / حزيران 1983م بشأن رغبة اثنين مِن كِبار المسئولين فِي شركة سيمنز فِي السفر إِلى السّودان عاجلاً، وهما: فون بروليوس (Mr. Von Brolius) كبير ممثلي الشركة فِي بون، وشرودر (Mr. Schroeder) مدير البرامج والمسئول عَن تدريب الِلّيبيّين، للاجتماع بالمبعوثين الِلّيبيّين الثمانيّة، الّذِين كانوا يتلقون تدريبهم بألمانيا على نفقة الشركة قبل أن يغادروها إِلى السّودان.

وأرسلت رئاسة الإنتربول فِي فيسبادن إِلى دوائر شرطة السّودان والمباحث الجنائيّة المركزيّة والدّاخليّة فِي الخرطوم، رسالة تطالب فيها الحكومة السّودانيّة بتوضيح موقف الطلبة الّذِين كانوا يتلقون تدريبهم بألمانيا، وذلك للرد على السّلطات الِلّيبيّة التي تحمّل الألمان مسئوليّة مغادرة الطلبة مدينة براون شفايخ الألمانيّة، ولدحض افتراءاتها التي تزعم بأن المبعوثين قد اجبروا على مغادرة ألمانيا لسوء المعاملة والضغوط المختلفة التي تعرضوا لها مِن جانب السّلطات الألمانيّة.

وقد اجتمع مسؤولي شركة سيمنز بعد وصولهما إِلى السّودان بثلاثة مِن الطلبة هم: عَبْدالسّلام محَمّد مرسي وشُكْري محَمّد السنكي وأسامة السّنوُسي شلّوف، فِي مبنى الإذاعة والتلفزيون فِي الخرطوم، وبعدها ردت الشركة بشكل رسمي على السّلطات الِلّيبيّة بأن الطلبة الثمانيّة موجودون فِي السّودان وهم نفس الأشخاص الّذِين عقدوا المؤتمر الصحفي يوم 2 يونيه / حزيران فِي الخرطوم، وأن موقفهم هُو موقف سياسي نابع من ذواتهم ولا علاقة لشركة سيمنز والدولة الألمانيّة به.

الحضيري وثيقة 6

ويُذكر أن مقر الإذاعة السّودانية الّذِي عقد به طلبة التصنيع الحربي مؤتمرهم الصّحفي، تعرض للقصف الجوي مِن قبل سلاح معمّر القذّافي للطيران فِي ربيع 1984م. اخترق سلاح طيران القذّافي، الأجواء السّودانيّة يوم 16 مارس / آذار 1984م وقصف بالقنابل (إذاعة أم درمان) معتقداً أنّ إذاعة الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا (راديو صوت الشّعب الِلّيبيّ) كانت تبث فِي برنامجها اليومي الموجه إِلى ليبَيا مِن مقر الإذاعة السّودانيّة، وإذاعة الجبهة انطلق بثها مِن السّودان فِي 30 أغسطس / أب 1982م.

ساهم محَمّد هاشم الحضيري فِي برامج إذاعة الجبهة، وعقد معه الأستاذ إبراهيم فتحي عميش المسؤول المناوب للبرنامج السّياسي، حواراً مطّولاً بثته الإذاعة على يومين متتالين.

وبعد ذاك، انخرط فِي مشروع الجبهة العسكري الّذِي كان يتولاه أحمَد إبراهيم إحواس (1938م – 1984م) الرجل الشجاع والسّيِّد المهذب الّذِي عشق تراب الوطن وتنفس برئته. وشكّل هُو وزملائه مِن طلبة التصنيع الحربيّ مع عدد آخر مِن شباب الجبهة، نواة (قوَّات الإنقاذ) الذراع العسكريّة للجبهة، فدخلوا جميعاً فِي شهر أغسطس / آب 1982م إِلى معسكر (جبل منذرة) الواقع فِي جبل الأولياء بالسّودان.

وكان الدّافع وراء اختياره للعمل الجهادي وانضمامه للعمل الفدائي قناعته بعدالة قضيته والتزامه بقضايا وطنه، وشعوره بأن ذلك ذوداً عَن العقيدة والأرض والعرض، مضافاً إِلى إيمانه بأن الجهاد ضدَّ الطغاة والظالمين فرض عين على كلِّ مسلم قادر حيث فرضه الله سبحانه وتعالى فِي مُحكم كتابه بقوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال وَهُوَ كُرْه لَكُمْ }. (الآية 216 – سورة البقرة)

ومع نهاية عَام 1983م، أكمل محَمّد هاشم وبعض مِن رفاقه التدريب والإعداد والاستعداد، وبدأت هذه المجموعة السفر إِلى تونس مع مطلع عَام 1984م ثمّ دخلت إِلى ليبَيا، على هيئة مجموعات صغيرة واحدة تلو الأخرى. ويخبرني الشّيخ علي محَمّد البشير حمّودة في جزء مِن شهادته، وفِي الحلقة الثامنة مِن مذكراته المعنونة بـ(رحلتي وشهادتي)، بصفته طرفاً مشاركاً فِي أحداث مايو / أيّار 1984م التي قادتها الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، مَا يلي:..”.. بدأ الشباب السفر إِلى تونس، شخصان أو ثلاثة فِي كلِّ مرّة، وفِي تونس كان هُناك الشهيد علي أبوزيد الرجباني (قتل على يد قتلة مستأجرين بلندن  يوم الأحد 26 نوفمبر / تشرين الثّاني 1995م) وهُو مدير عمل الجبهة بتونس؛ وكان يرتب عمليّة الدّخول عَن طريق البحر والبر، بواسطة المهربين الّذِين يعرفون مسالك الحدود، فدخل الشباب على هيئة مجموعات صغيرة واحدة تلو الأخرى، خلال الفترة مَا بين يناير إِلى أواسط أبريل 1984م..”.

الحضيري وثيقة 7

شارك محَمّد هاشم فِي صنع العديد مِن الأعمال البطوليّة التي قامت بها قوَّات الإنقاذ (مجموعة بدر) / الجناح العسكري للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، فِي شهر شعبان 1404 هجري الموافق لشهر مايو / أيار 1984م، التي هدفت إِلى تخليص ليبَيا مِن حالة الظلم والإقصاء والفوضى والخيانة المتمثلة فِي نظام معمّر القذّافي.

والّذِي حدث، بعْد دخول البطل أحمَد إحواس البلاد واشتباكه مع قوَّات الطاغية واستشهاده فِي السّادس مِن مايو / أيار 1984م، قرر محَمّد هاشم الحضيري ورفاقه الأبطال الأشاوس التحرّك وتلقين النَّظام درساً لا ينساه. وأضاف الشّيخ علي محَمّد البشير حمودة بخصوص هذه الواقعة ومَا تلاها مباشرة من أحداث، فقال:..”.. عندما علم الفدائيون نبأ اختفاء خالد علي يحيى واستشهاد أحمّد إبراهيم إحواس، كانوا يقيمون وقتئذ فِي منزل بمنطقة الدريبي وعندها قرر الشباب الانتقال إِلى مكان أخر بعد أن جهزوا أنفسهم لكل الاحتمالات وقاموا بإعداد القنابل بأنفسهم فِي ورشة حدادة. وفِي الصباح الباكر، انطلقوا إِلى شقة بإحدى عمارات شارع الجمهوريّة بطرابلس، وكانت خطتهم أن ينتشروا ولا يبقوا فِي مكان واحد، ودخلوا إِلى الشقة ولم يتمكنوا مِن حمل كل مَا كان معهم حيث بقيت بعض الأسلحة: (بنادق F.N مع ذخيرتها)، داخل السيارة مخافة المراقبة وحملوا مَا استطاعوا حمله مِن الأسلحة الخفيفة التي يمكن إخفاؤها كالمسدسات والغدارات (بريتا واسترلنق) والقنابل إلاّ أنهم فوجئوا بقوَّات الطاغيّة تطوق المكان عند حوالي العاشرة صباحاً (ما يُسمّى بكتيبة إمحمد المقريّف وكتيبة الحرس تحت إمرة خليفة حنيش القذّافي) وشاهدوا بعض العناصر الأمنيّة ومعها الشهيد خالد علي يحيى تتقدم وتدخل العمارة وتصعد إِلى الشقة، وهُنا بادر الشباب بإطلاق النَّار فردت الكتيبة بقوَّة ناريّة وسقط أوَّل شهيد خالد علي يحيى وجذبه الشباب إِلى مدخل الشقة فأسلم الروح بين يدي أسامة السّنوُسي شلوف، وقام عارف المَهْدِي دخيل بإلقاء قنبلتين عند مطلع درج العمارة ممّا أدّى لتقهقر قوَّات الطاغيّة وفتح ثغرة فِي الحصار، وَبعْد ذلك مباشرة نزل الشباب على دفعتين واستمر عارف دخيل فِي رمي القنابل، وقد أخبرني أنّه رمى ثمانيّة عشر قنبلة فِي ذلك اليوم، وسقط الشهيد الثّاني مُصْطفى الجالي بوغرارة فِي فناء العمارة تلاه مباشرة الشهيد محَمّد هاشم الحضيري..”.

ألهبت أحداث مايو مشاعر شعراءنا الشعبيين فكتبوا قصائد خصبة بالمعاني العظيمة والتوصيف الدّقيق للأحداث ومملؤة بروح الأمل والتفاؤل. كتب أولاً الشّاعر السّنوُسي محَمّد البيجُّو (أبي شهيان) قصيدة تحت عنوان: (صارْ يومُ فالعزيزيَّه)، فقال فِي مطلعها:

صارْ يومُ فالعزيزيَّه وَلَّع النَّارْ ** محَا كلْ عَارْ ** الضَّرب فيه بالسّنْقي صْدَارْ.

وأضاف فِي أحدى أبياتها قائلاً:

صارْ يومُ فالعزيزيَّه فالْجَّو نَاره ** عَثَّنْ اغْبارهَ ** و “امعمّر” وْحلْ في الراي مَا لقي دباره

تريسْ وطننا بَاقوهْ في وسَط داره ** عَيَّط وْحارْ ** وْتالي انْهزم مَذْلُول قدَّام الامْيارْ

تحترْلَه أسَّاع إِيْجُوه في مُوْكَاره ** وِيذُوقْ لْمرارْ ** ويَنْدَم عَلَىْ كلّ ما خلْبط ودْار.

وكتب البيجُّو بعْد هذه القصيدة، قصيدة أخرى أسمّاها: (نهار العزيزيَّه). وبعدما كتبت أم محَمّد قصيدة: (نهار صار)، ردَّ عليها السّنوُسي البيجُّو (أبي شهيان) بقصيدة قال فِي مطلعها:

في باب عزيزِيَّه صار *** نهارْ جَلَّى عَ النَّاس الْعار.

كمَا كتب شاعر الجنوب قصيدة أسمّاها: (شباب ليبيا قرر يْفكَ بْلادَه)، وتفاعل الشّاعر مُصْطفى الصقري مع الأحداث فكتب عدة قصائد بدأها بقصيدة (أول كلامي) التي جاء في بعض أبياتها:

أحْمَد إحواس وْرفقْتَه لَجْوادي *** رْجالاً عَصارَى طَيّبين اطهار

وْوقْفوا الشّباب مثيلْ صقر الْوادي *** يبْغوه راس العفنْ مهْما صار

في عقرْ دارَه وين قاعدْ غادي *** وْخَلَوهْ يجْري كيفْ جَرْي الْفار

من الخوف والرَّعْشَة قعدْ يْنادي *** يا هوه غيثوني، وْعَقْلَه طار

وَأَخِيْراً، قاتل البطل محَمّد هاشم ببسالة فِي معركة مايو المباركة حتَّى اسْتشهد فيها يوم 8 مايو / أيّار 1984م وعمره اثنان وعشرون عاماً. وكانت معركة مايو حلقة فِي سلسلة نضال الشّعب الِلّيبيّ ضدَّ نظام الاستبداد والفوضى والتخلف أمّا تضحيات رجالات هذه المعركة والتضحيات التي سبقتهم وجاءت بعدهم، قادت تفاعلاتها وتراكماتها إِلى خروج النَّاس فِي مظاهرات احتجاجيّة كبيرة فِي السّابع عشر مِن شهر فبراير / شباط مِن عَام 2011م، سرعان مَا تحوّلت إِلى ثورة عارمة انتهت بمقتل العقيد معمّر القذّافي فِي العشرين مِن أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م.

الحضيري وثيقة 8

ولذا، لابُدَّ لوزارة رعايّة أسر الشهداء والمفقودين (4)، أن تضم الشهيد محَمّد هاشم ورفاقه مِن أبطال مايو إِلى (قائمة شهداء ليبَيا) مثلما فعلت مع الثوار الّذِين قضوا نحبهم أيام ثورة 17 فبراير المجيدة، بل عليها أن تضم إِلى القائمة كلّ الّذِين قضوا نحبهم فِي المعتقلات أو على أعواد المشانق أو برصاص الغدر فِي المهاجر والمنافي أو أثناء المواجهات مع قوَّات النَّظام اﻟﺪّﻳﻜﺘﺎﺗﻮري اﻟﻔﺎشي طيلة سنوات حكم العقيد معمّر القذّافي لأنهم هم الّذِين غرسوا بذور الثورة.

تشييع جنازة الشهيد محَمّد هاشم الحضيري

عاش محَمّد هاشم الحضيري فِي مدينة إجدابيا ودرس فِي مدارسها وكان أحد أبناء الحركة الكشفيّة البارزين فِي المدينة. أمضي سنتين مِن حياته فِي ألمانيا وسنة فِي السّودان بعْد التحاقه بصفوف الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا وانضمامه لجناحها العسكري الّذِي كان يقوده الشهيد أحمَد إبراهيم إحواس. استشهد أثناء المواجهات مع قوَّات معمّر القذّافي فِي مايو / أيار 1984م، ودُفِنَ فِي مدينة إجدابيا مسقط رأسه يوم الجمعة 16 ذو القعدة 1432 هجري الموافق 14 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م. شارك فِي مراسم الدفن عدد مِن أعيان المدينة وبعض مِن الشخصيّات العامّة وإِلى جانبهم السّيِّد أحمَد برنية عضو الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا وأحد السجناء السياسيين السّابقين، والسّيِّد عارف المهْدِي الدخيل رفيق الشهيد وأحد المشاركين فِي أحداث مايو وواحد مِن الّذِين تمّ اعتقالهم وظلّوا فِي المعتقل مِن عَام 1984م إِلى عَام 2002م.

صورة 5

والّذِي حدث، عُثر على جثمانه فِي ثلاجة سريّة للموتى بمستشفى طرابلس المركزي أو مستشفى شارع الزاوية كمَا يعرف أيْضاً مع مجموعة من الجثث الأخرى أثناء تمشيط الثوار لمدينة طرابلس والعمل على تأمين منشأتها الحيويّة الاستراتيجيّة. وبعد توافد مَنْ لهم علاقة بالموضوع إِلى المستشفى، تبين أن مِن بين الجثث التي عثر عليها جثة كانت للشهيد محَمّد هاشم الحضيري.

وقد صرح الأستاذ أحمَد برنية لصحيفة (برنيق) فِي أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م، فقال..”.. بعْد خروج نتائج تحليل الحمض النووي (D.N.A) تبين أن مِن بين الجثث التي عُثر عليها جثتي الشهيدين محَمّد هاشم الحضيري مِن مدينة إجدابيا ومحَمّد سعيد الشيباني (الطمزيني) مِن نالوت الذِي سُلِمت جثته لذويه فِي وقت سابق كمَا يعتقد أن يكون مِن بينهم أحمَد إبراهيم إحواس المُفوض العسكري لجبهة إنقاذ ليبيا.

وأضاف برنية أن أسامة السّنوُسي شلوف أحد منفذي عمليّة باب العزيزية  وأحد المفرج عنهم عَام 1990م أخبره فِي وقت سابق أن عبد الله السّنوُسي أخذه بعْد فشل العمليّة مِن معتقله عام 1984م إِلى الثلاجة  فتعرف على جثة مجدي محَمّد الشويهدي (1961م – 12 مايو / 1984م) وسَالم إبراهيم القلالي (1951م – 16 مايو 1984م) وناصر عبدالله الدحّرى (1963م – 8 مايو / أيار 1984م) مِن طرابلس، وجمال محمود السباعي (1960م – 8 مايو / أيار 1984م) مِن مدينة مصراتة..”.

والشّاهد، بدأ الثوار بتمشيط مدينة طرابلس والبحث عَن رفاقهم المخطوفين والّذِين تمّ إخفاؤهم فِي أماكن مجهولة كذلك عَن العناصر المشتبه فيها وفلول النَّظام وكتائبه الّذِين أجرموا فِي حق الوطن واستخدموا الرصاص الحيّ ضدَّ ثوار 17 فبراير، بعْد تحرير المدينة يوم 20 أغسطس / أب 2011م. وأثناء رحلة التمشيط والتفتيش، وصل خبر إِلى الثوار مفاده أن العاملين فِي مستشفى طرابلس المركزي وجدوا مكاناً سرياً داخل المستشفى به ثلاجة للموتى، وقيل أنّ المكان كان مغلقاً طيلة السبع والعشرين سنة الماضيّة، وممنوعاً دخوله على جميع العاملين فِي المستشفى بما فيهم المسؤول عَن المشرحة والمدير العامّ.

ويخبرني الأستاذ نوري المزوغي عَن هذه الحادثة ومَا حدث بعدها فِي مقالة نشرها فِي صحيفة (الوطن الِلّيبيّة) فيقول:..”.. وبعدما وصول الثوار إِلى مدخل المكان أو القسم المذكور وجدوه مقفلاً وأعلاه لوحة صغيرة كتب عليها (قسم خاصّ بمكافحة الإرهاب) وباقتحامه عثر على ثلاجة تحتوى على (17) سبعة عشر جثماناً بينهم جثماني سيدة وطفل رضيع. ذُهِلَ الجميع لهول مَا رأوا وكادوا ألا يصدقوا إلاّ بعْد وقوفهم على عين المكان، فلا أحد كان يتوقع أن تسجن جثث الموتى ويتم تغييبها لسنوات طويلة تحت حراسة مشددة حتَّى تبلى .وبقدر مَا أثار هذا الاكتشاف المروع مِن استغراب وشجب أثار أيْضاً العديد مِن التساؤلات والتحريّات التي وفرت بعض المعلومات الإضافيّة وألقت الضّوء علي جانب مِن سر المشرحة الغامض منها أن المشرف على ذلك القسم والمحتفظ بمفاتيحه خلال السنوات الأخيرة ضابط برتبة كبيرة في مخابرات القذّافى اسمه عبْدالحميد السايح، خُصِصَ له مكتب بالمستشفى ليس بعيداً عَن المشرحة، ثمّ توفرت معلومات أخرى تشير إِلى علاقة مَا بين الجثامين وبين شهداء معركة باب العزيزية ( 8 مايو / أيار 1984م). وَمِن هُنا، بدأت مسيرة أخرى مِن البحث والتقصي والاتصال برفاق شهداء المعركة المذكورة وأسر وذوى الشهداء كذلك برفاق وأصدقاء الشهداء الّذِين أعدموا فيما بعْد فِي إعدامات شهر رمضان الشهيرة التي تابعها كلِّ الِلّيبيّين والعالم آنذاك عبر شاشات التلفاز وشكلت ذروة شراسة القذّافي وتجرده مِن كلِّ الصفات والأحاسيس الدينيّة والإنسانيّة .

لم تمض سوى بضعة أيّام حتَّى توافد إِلى مشرحة مستشفى طرابلس كلَّ مَنْ لهم علاقة بالموضوع ممن أمكن الإتصال بهم، فجاء بعضهم مِن الجبل الغربي وبعضهم مِن زوارة والبعض الآخر مِن إجدابيا ومصراتة بالإضافة إِلى الموجودين بطرابلس، وبدأت الإجراءات المبدئيّة للتعرف على الجثامين ككشف الأهالي عنها حيث تعرف بعضهم نسبياً على جثمان قريبه وفق بعض العلامات الدالة كالشعر والندوب على الوجه والجسم وغيرها، لكن أغلبهم لم يستطع القطع بنسبة أيّ مِن الجثامين لشهيده نظراً لتباعد تاريخ الوفاة وللتغيرات الكثيرة التي شابته باستثناء شهيد واحد هُو الشهيد محًمّد هاشم الحضيري الّذِي تمكن ذووه مِن التعرف القطعي على جثمانه بعْد إقناع اللّجنة المختصة التي تضم مختصين أطباء وخبرة جنائيّة، وقد تمّ تسليم الجثمان المذكور لذويه بإذن النائب العامّ..”.

وَالحَاصِل، سلم المجلس الوطنيّ الانتقالي برئاسة المُستشار مُصْطفى عبْدالجليل جثمان محَمّد هاشم لذويه، وأُرسل جثمانه مِن طرابلس إِلى مطار بنية فِي بّنْغازي وكان في توديعه الأستاذ عيسى الشيباني ابن الشهيد محَمّد سعيد الشيباني والأستاذ علي عبدالله الضراط الرئيس السّابق لمكتب جبهة الإنقاذ فِي الخرطوم، ووصل جثمانه إِلى مطار بنية فِي بّنْغازي وكان فِي استقباله الدّكتور عبْدالمولى الحرير رئيس فرع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ببنغازي والأستاذ أحمد برنية والمُناضل عارف المهْدِي الدخيل أحد المشاركين فِي أحداث مايو المجيدة.

وَبعد ذلك، نُقِلَ جثمانه إِلى إجدابيا التي تبعد حوالي 160كم جنوبي مدينة بّنْغازي، المدينة التي تأسست فيها أوَّل حكومة ليبيّة (حكومة إجدابيا) بعدما تمكن الأمير إدْريْس السّنوُسي (1890م – 25 مايو / أيار 1983م) فِي نوفمبر / تشرين الثاني مِن عَام 1917م مِن الحصول على حكم ذاتي فِي إقليم برقة، والتي اتخذ فيها قرار تأسيس أوَّل برلمان عربي على الإطلاق، القرار الّذِي تمّ تنفيذه بالشروع فِي الانتخابات ثمّ ظهور نتائجها وافتتاح البرلمان فِي دورته الأولى يوم 28 أبريل / نيسان 1921م والّذِي كان مقره مدينة بّنْغازي.

وصل جثمانه الطاهر إِلى مدينة إجدابيا أرض الجهاد وموطن المجاهدين، وكان فِي استقباله أهل الفقيد وذويه وعدد مِن الأصدقاء والأقارب. وشيّعه مئات المواطنين بالمدينة، ودُفن بعْد صلاة العصر مباشرة فِي المقبرة الإسْلاميّة بمدينة إجدابيا الخالدة.

لم تتمكن قيادة الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا مِن المشاركة فِي مراسم التشييع، وَبعْد ثلاثة أيام مِن مراسم الدفن أيّ فِي يوم الثلاثاء الموافق 18 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2011م تمكن الدّكتور محَمّد المقريَّف مِن الحضور إِلى بيت الشهيد البطل، وكان بصحبته السّنوُسي البيجُّو وعبدالله الرفادي.

وَأَخِيْراً، رفع بعض المشاركين فِي الجنازة صور الشهيد وإعلام دولة الاستقلال، وهتفوا بتجديد العهد له ولشهداء ليبَيا كافة ومواصلة العمل والنَّضال حتَّى يتحقق لليبَيا الأمن والاستقرار وتتحقق أهداف ثورة 17 فبراير. وقد شيَّعوه بسيل جارف مِن الدموع، وودّعوا جثمانه الطاهر بصّوت واحد يردد: (لا إله إلاّ الله، مُحَمّد رَسُوْل الله)، والدعاء إِلى الله سبحانه وتعالى بأن يغفر له ذنوبه، ويُدخِلهُ جنَّاتٍ عَرضُهَا السّمَوَاتُ والأرضُ، وذلكَ هُو الفَوْزُ الكبيرُ والعَظِيمُ.

كلمة وفاء (5)

كتبت فِي العدد الحادي عشر، للسنة الثالثة، مِن مجلّة (الإنقاذ) الصّادرة بتاريخ صفر 1405 هجري الموافق نوفمبر / تشرين الثّاني 1984م، مقالة عَن الشهيد البطل محَمّد هاشم الحضيري تحت عنوان: (كلمة وفاء)، واخترت الوفاء عنواناً لها لأجل ترسيخ هذه القيمة العظيمة فِي النفوس لأن التمسك بالوفاء كقيمة ومنهج يعني ضمان الالتزام بالأهداف المرسومة والحفاظ على معنى الرفقة الواجب توفرها بين رفاق الطريق الواحد. رأيت إعادة نشر هذه المقالة دون أيّ تعديل فِي إطار التعريف بالشهيد محَمّد الحضيري وسرد وقائع حياته ورصد تجربته وتسجيل أعماله ومواقفه الوطنيّة ليأخذ منها القارئ الكريم العبرة والعظة والدرس. وقد رأيت إعادة نشرها على النَحْو الّذِي نُشرت به فِي خريف 1984م لأجل إيصال التعريف به إِلى أكبر نطاق ممكن مِن النَّاس بعدما تخلصت بلادنا الحبيبة مِن نظام معمّر القذّافي الظالم المستبد، وَمِن أجل وضع القارئ الكريم فِي أجواء تلك الأيّام التي ضرب فيها بعض مِن شباب ليبَيا ورجالها الأبطال أروع الأمثلة فِي البذل والعطاء والتضحيّة مِن أجل الوطن ومعركته مع القذّافي وباطله، وأضعه فِي أجواء معاناة بلادنا فِي تلك الآونة وَأقرب له صورة حيَاة المُناضلين المنفيين إبّان تلك السنوات الصعبة، ولأؤكد على قيمة الوفاء والتجديد اللتان يفترض أن تستمد الأمّة منهما صيغ وأشكال مواصلة المسار الّذِي أسسه المُناضلون ورواد الوطن الأوائل… وجاء نصّ المقالة على النَحْو التالي:

كلمة وفاء

إِلى الشهيد محَمّد هاشم الحضيري

تحيّة الإكبار والإعزاز والإجلال إليك يا شهيد العزة والكرامة والأصالة. تحيّة تفيض بالتقدير والعرفان والوفاء إليك يا مَنْ صدقت العهد والعزم والعمل فأعطيت بالمثل الحي الخالد، والبرهان السّاطع، والإيمان الثاقب الصّادِق، ضروباً فِي الشجاعة والبطولة، ودروساً فِي الجهاد والاستشهاد، ففزت فوزاً عظيماً، وجسدت تجسيداً خالداً أنك إسم على مُسمّى اعتقاداً وقولاً وعملاً.

لقد نلت شرف الانتساب واللحوق والصحبة بمَنْ استحق.. شرف الفضيلة والوسيلة والدرجة الرفيعة.

لقد تحديت، وأنت والشجاعة والإقدام والبطولة تؤمان أرضعتهما وربتهما شجرة الكلمة الطيبة.. فأخذت فِي السمو والنُبل درجة أعظم وأعظم فبذلت روحك ودمك الطاهر تزكيةً وتشريفاً للشجرة الطيبة.. وتحديت الباطل فِي عقر داره فسقطت بطلاً خالداً حيّاً يُرزق عند ربه، وفِي ضمير شعبنا ووجدان أمتنا الخالدة.

لقد كنت تحاورنا وتدفع بنا وتشد من أزرنا مِن أجل أن نقف وقفة قويّة ونهب فِي وجه الظلم والطغيان ولم نكن حينها نفكر أنك كنت تدعو إِلى صناعة التاريخ.. وها أنت شامخ شموخ أمتنا تصنع التاريخ لنا جميعاً – لشعبنا ولأمتنا وللأجيال المتعاقبة مِن بعدنا.

لن أنسى كلامك عَن كتابة التاريخ فِي تلك الأيّام التي كنا نتحدث فيها مع الشهيد البطل أحمَد إبراهيم إحواس (1938م – 1984م) على العمل فِي الدّاخل، وكيف كنت تؤكد لنا بأن المعركة مع الباطل لن تكون إلاّ فِي معقله. وكنت تقرر بإيمان وصدق ومضاء عزم بأن تاريخ ليبَيا الحديث لن يُكتب إلاّ بمدد مِن الدّمّ، ولن يكتبه إلاّ مَنْ يضحى بماله ووقته، ويبذل دمه الزكي الغالي فداء للحق وتضحيّة فِي سبيله، وإيماناً بأنه قدرنا وواجبنا، واحتساباً لكل ذلك لله سبحانه وتعالى..

* لقد رأيتُ روح الصدق فِي عملك المتواصل.

* ولقد رأيتُ صدق الإخلاص فِي سعيك وجدك.

* ولقد رأيتُ آيات حبّ التضحيّة والاستشهاد فِي إصرارك.

لقد رأيتُ كلّ ذلك والأمل الكبير والابتسامة العريضة والإشراقة الدّائمة ترتسم علاماتها على وجهك.

ومِن أجل كلّ المعطيات والقيم والمبادئ العظيمة نذرت روحك، ونلت إحدى الحُسْنَيَيْنِ مُسجلاً للتاريخ صفحة مِن أعظم الصفحات إشراقاً وبطولةً ومجداً، وتركت لنا، ولأهلك وكل أحبائك وأصدقائك ومواطنيك شرفاً أنت أهلاً له، ونحن نفخر ونعتز به، إنّه شرف الشهادة، وشرف اللحاق واللقاء بمسماك وقدوتك وأسوتك محَمّد الأمين وَصحبه الأخيار الأبرار وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً.

فهنيئاً لك بجنة الخلد، والنعيم المقيم، والنزل العظيم، وإنك لمفخرة ومثل صادق حيّ لأهلك وأقاربك وزملائك (طلبة التصنيع الحربي) الّذِين فارقتهم فِي ألمانيا الغربيّة.

طب نفساً يا محَمّد ولتهنا روحك فِي عليين مع الصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والمرسلين.

وإِلى أن نلقاك فإننا على العهد بإذن الله ماضون، وعلى دربك، درب الشهادة سائرون.

مِرْفَق الصُّوَر

الصُّوَرَة الأوْلَى: صُوَرَة شخصيّة للشهيد محَمّد هاشم الحضيري.

الصُّوَرَة الْثَّانِيَة: صُوَرَة تجمع مسئولي شركة سيمنز وكلِّ مِن: شكري السنكي وأسامة شلّوف ويظهر فِي الطرف عبْدالسّلام مرسي، وقد التقطت الصُّوَرَة فِي شهر أغسطس / أب 1982م بمبنى الإذاعة والتلفزيون فِي السّودان.

الصُّوَرَة الْثَّالِثَة: صُوَرَة تجمع بعض فدائيي مايو (مجموعة بدر) والشهيد أحمَد إبراهيم إحواس، فِي السّودان فِي صيف 1983م، ويظهر فيها – وبالترتيب – كلِّ مِن: عبدالله إبراهيم الماطوني وأحمَد إبراهيم إحواس وجمال محمود السّباعي، محَمّد هاشم الحضيري، ناصر عبدالله الدّحرى، سَالم طاهر الماني.

الصُّوَرَة الْرَّابِعَة: صُوَرَة تجمع كمال الشّامي وسّالم الحاسي، ويظهر فِي طرفها الأستاذ علي رمضان بوزعكوك الّذِي أجرى الحوار الصّحفي معهما لصالح مجلّة (الإنقاذ)، ونُشر الحوار فِي عدد المجلّة 18 – 19، السنة الرَّابعة، الصّادر فِي شوال 1406 هجري الموافق يونيه / حزيران 1986م.

الصُّوَرَة الخَامِسَة: صُوَرَة تُظهر عائلة الشهيد أثناء التعرف على جثمانه خلال توافد ذوى الشهداء إِلى مستشفى طرابلس المركزي للتعرف على الجثامين المغيبة لأكثر مِن (27) عاماً.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات

1) أبيات الشعر: الأبيات أعلى الصفحة مِن قصيدة (إِلى مايو) التي نسجها الشّاعر يونس فنوش ونشرها تحت اسم موسى عبْدالحفيظ، فِي مجلّة (الإنقاذ)، السنة الرَّابعة العددان 14 – 15، الصّادرة بتاريخ ذو الحجة 1405 هجري الموافق أغسطس / أب 1985م.

2) المِيْلادُ وَالنَشْأَةُ: تحصلت على المعلومات الخاصّة بالفقيد وأسرته مِن الأستاذ علي الحضيري شقيقه، بعْد اتصالين هاتفيين أجريتهما معه فأرسل على أثرهما المعلومات المطلوبة فِي إيميل استلمته بتاريخ 6 يناير / كانون الثّاني 2014م.

3) ألمانيا الغربيّة: هُو الاسم غير الرّسمي لـ(جمهوريّة ألمانيا الاتحاديّة) فِي الفترة الواقعة مَا بين عَام 1949م وعَام 1990م وعاصمتها مدينة بون، قبل إعادة توحيد شقي ألمانيا الغربي والشّرقي. كانت الجمهوريّة الاتحاديّة لا تشمل شق ألمانيا الشّرقي (ألمانيا الشّرقيّة) المعروف بإسم (جمهوريّة ألمانيا الدّيمقراطيّة) وعاصمتها برلين الشّرقيّة. وبانهيار الاتحاد السوفيتي تفككت منظومته المكونة مِن دول أوربا الشّرقيّة التي كانت ألمانيا الشّرقيّة مِن بينها، وتوحدت الألمانيتان. ففِي 3 أكتوبر / تشرين 1990م توحدت جمهوريّة ألمانيا الإتحاديّة وجمهوريّة ألمانيا الدّيمقراطيّة، وصارت مدينة برلين أكبر مدن ألمانيا هي عاصمة الدولة ومقر السّلطة فيها. راجع مَا جاء عَن (ألمانيا) فِي الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا).

4) وزارة رعايّة أسر الشهداء والمفقودين: أضيفت هذه الوزارة لقائمة الوزارات، لأوَّل مرَّة فِي تاريخ ليبَيا، فِي عهد السّيِّد علي زيدان الّذِي تولّى رئاسة الحكومة المؤقتة فِي أكتوبر / تشرين الأوَّل 2012م، وأسندت حقيبة هذه الوزارة إِلى السّيِّد علي قدور. وقد تكّونت حكومة علي زيدان مِن سبعة وعشرين (27) وزارة، وأدّت اليمين الدّستوريّة يوم 14 نوفمبر / تشرين الثّاني 2012م. وبالإضافة إِلى هذا الكيان، تأسس كيان أهلي إِلى جانبه حيث تأسس (الاتحاد العامّ الِلّيبيّ لمُنظمات وروابط أسر الشهداء والمفقودين) فِي السّادس مِن أبريل / نيسان 2013م، فِي الملتقى الّذِي انعقد بمدينة الزاوية فِي السّاحل الغربي لليبَيا، ليكون هذا الاتحاد عوناً لأسر الشهداء والمفقودين وداعماً لجهود الوزارة.

وقد أخبرني شخص مِن أسر شهداء معركة مايو بأن هُناك جهود بذلت وتبدل مِن أجل ضم شهداء مايو إِلى قائمة شهداء الوطن إلاّ أن وزارة رعايّة أسر الشهداء والمفقودين لم تستجب إِلى هذا الطلب إِلى الآن (يناير / كانون الثّاني 2014م).

5) مقالة كلمة وفاء: نشرت هذه المقالة باسم (شاكر محَمّد علي)، فِي عدد مجلّة (الإنقاذ) المُشار إليه أعلى الصفحة.

مَصَادِر وَمَرَاجِع

1) مجلّة الإنقاذ – حوار المجلّة مع بطلين مِن أبطال مايو بعْد خروجهما مِن ليبَيا، الحوار الّذِي أجراه الأستاذ علي رمضان بوزعكوك – السنة الرَّابعة، العددان (18 – 19)، الصّادر بتاريخ شوال 1406 هجري الموافق يونيه / حزيران 1986م.

2) الشّيخ علي محَمّد البشير حمّودة – سلسلة مِن الحلقات نشرها تحت عنوان: (رحلتي وشهادتي.. مذكرات وذكريّات) فِي صفحة الكاتب فِي الفيسبوك (Facebook) والتي بدأ فِي نشرها فِي مارس / آذار 2013م.

3) مجلّة الإنقاذ – السنة الرَّابعة العددان (14 – 15)، الصّادرة بتاريخ ذو الحجة 1405 هجري الموافق أغسطس / أب 1985م.

4) المؤلف – مقالة: (بطل مِن بلادي – مُصْطفى الجّالي بوغرارة.. سيرته ومواقفه) – صحيفة (الكلمة)، وموقع (شؤون ليبيّة)، وموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر يونيه / حزيران 2013م.

5) المؤلف – مقالة: (سَعْد عَبْدالله الأثرم .. سِيْرَةُ مُناضلٍ وتاريخُ وَطنٍ)، نُشرت فِي موقع (ليبَيا المستقبل) و (شؤون ليبيّة) وصحيفة (أخبار بّنْغازي) فِي يونيه / حزيران 2012م.

6) الأستاذ علي العقربي والأستاذ السّنوُسي بلاَّلة – كتاب: (الشعر الشّعبي فِي معركة الإنقاذ) – منشورات دار الإنقاذ، الصّادر بتاريخ رجب 1406 هجري الموافق 1986م.

7) الأستاذ نوري المزوغي – مقالة تحت عنوان: (جريمة مشرحة مستشفى طرابلس المركزي) نُشرت بموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 14 ديسمبر / كانون الأوَّل 2011م وأُعيد نشرها بتصرف تحت عنوان: (جثامين توارى .. وَبطولات وأسرار باقيّة) فِي صحيفة (الوطن الِلّيبيّة) فِي 12 سبتمبر / أيّلول 2013م توافقاً مع حدث تشييع مجموعة أخرى مِن جثامين الشهداء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: