سالم الكبتي : حكاية أول برلمان ليبي بعد الاستقلال ..

 

صدر يوم امس السبت 15 فبراير عددا خاصا من (اشراقة 24 ديسمبر)عن مكتبة الملك ادريس الاول فى درنه . وهو حافل بمقالات وموضوعات عن فترة الاستقلال . اليكم مشاركتى فى العدد المشار اليه . امنياتى بالتوفيق للزملاء الذين اخلصوا النية والعمل فى المكتبه ليظهر الى الوجوده بهذه الصوره الطيبه. 

______________

شهدت ليبيا قبل اعلان استقلالها في 24 ديسمبر 1951 تجارب نيابية مختلفة بدأت اولاها في أواخر العهد التركي للبلاد عندما جرى العمل بدستور 1908 الذي كان عطله السلطان عبدالحميد الثاني ونشأ عن تكوين مجلس المبعوثان في إسطنبول شارك في عضويته مندوبون عن الولايات التابعة للدولة العثمانية .

تم اختيار نواب عن بنغازي وطرابلس وفزان من بينهم : عمر باشا منصور الكيخيا ويوسف بن شتوان وسليمان الباروني ومحمد فرحات الزاوي ومصطفى بن قدارة و عبدالقادر جامي ، وكان حضور هؤلاء النواب واضحاً في معظم جلساته التي لم تدم طويلاً وأثاروا من خلالها ووفقاً للمحاضر العديد من القضايا المحلية وشؤون البلد مثل النواحي التعليمية وأمن الحدود والصحة وخطوط الهواتف وغيرها ، غير ان هذه التجربة الأولى سرعان ما توقفت بمجرد وقوع الاحتلال الإيطالي لليبيا نهاية 1911 .

وكانت التجربة النيابية الثانية في فترة سنوات ذلك الاحتلال عندما حاولت إيطاليا وضع قوانين أساسية ( دساتير) في برقة وطرابلس في الفترة السلمية ، ونشأ عن ذلك قيام مجلس نواب برقة أوائل عام 1920 الذي اضفت عليه تلك الفترة السلمية مع وجود السيد ادريس السنوسي اميراً معترفاً به وعلى رأس حكومة إجدابيا .. شكلاً واضحاً تعلم عبره السكان .. الانتخابات لأول مرة في المدن ( في المناطق القبلية تم الاختيار دون انتخاب ) ، وضم هذا المجلس 50 عضوا منهم يمثلون الأقلية اليهودية والايطاليين ، وعقد جلساته في مدينة بنغازي في مبنىً فخم انشىْ خصيصا لهذا الغرض وشهد لاحقاً محاكمة عمر المختار بعد اسره في سبتمبر 1931 ، وترأسه السيد صفي الدين السنوسي ثم الحاج احمد البناني ، وضبطت جلساته بلوائح داخلية وجداول اعمال ومحاضر رسمية ، وهذه التجربة ايضاً التي اعتبرها أبناء البلاد محاولة وطنية لمواجهة العدو بأساليبه الديمقراطية تعثرت كثيرا منذ استيلاء الفاشيست على السلطة في روما أواخر عام 1922 ، وقد حاول الطليان في هذه الفترة ذات القبضة الحديدية ان يجعلوا من المجلس مجرد صوت بدون كلام ويسير في ركاب السلطة ، الأمر الذي لم يتمكن معه النواب فعل أي شيء يذكر نتيجة لخداع السلطات الإيطالية المستمر لهم ولإخلالها بالشروط والتعهدات التي التزموا بها سابقاً مع الأمير ادريس الذي اضطر للهجرة إلى مصر .

ويلاحظ هنا أيضا ان السيد عمر المختار حين فاوض الايطاليين بطلب منهم في سيدي رحومه في يونيو 1929 كان من ضمن شروطه : تكوين جمعية وطنية لسن دستور للبلاد وينشأ عنها مجلس نيابي وحكومة .. غير ان الايطاليين كعادتهم ولّوا ظهورهم للرجل ولم يأبهوا لتلك المطالب ، وكانت غايتهم من كل ذلك كسب الوقت فقط للقضاء على جذوة المقاومة الوطنية ورموزها في البلاد . 

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وعودة اغلب المهاجرين الليبيين الى بلادهم .. حدث حراك سياسي كبير نشط فيه الجميع خلال سنوات الاربعينيات تلمساً لطريق تفضي بهم الى الحرية والاستقلال .. فصدرت الصحف وتكونت الأحزاب والجماعات السياسية في بنغازي ودرنة وطرابلس . وانشطة أخرى مماثلة الى حد بسيط في فزان البعيدة .

في برقة تحديداً كان يرعى هذه الأنشطة ولو من بعيد الأمير ادريس نفسه الذي اعلن استقلال برقة في اول يونيو 1941 وكان ذلك في واقع الأمر تمهيداً ( ضاغطاً ) لإعلان استقلال البلاد بالكامل ، وأدى الى تكوين حكومة ثم صياغة الدستور البرقاوي في سبتمبر 1949 باسهام من د . فتحي الكيخيا وبعض فقهاء القانون الدستوري في مصر ، وبلغت تلك الخطوات غايتها بتشكيل مجلس للنواب ضم ستين عضو بالانتخاب في المناطق الحضرية والقبلية وعيّن الأمير بعضهم ، وافتتح المجلس دورته في 1950 .

تلك كانت بدايات وارهاصات انطلاق التجربة النيابية او الدستورية في ليبيا المعاصرة ، غير أن القفزة الكبرى لهذه التجربة كانت نتيجة لصدور القرار التاريخي رقم 289 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في 21 نوفمبر 1949 الذي قضى بالاعتراف باستقلال ليبيا في موعد أقصاه اول يناير 1952 ، وعلى أن يشرع الليبيون في وضع دستور لبلادهم ، وعلى ضوء هذا القرار وتقديراً من العالم لنضال الليبيين في سبيل حريتهم ووصولاً بهم الى دولة ذات سيادة .. عينت الأمم المتحدة مندوباً لها لتنفيذ القرار ودعمه ومساعدة اهل البلاد لتحقيق الاستقلال وهو السيد ( ادريان بلت ) ، الذي بذل جهداً شاقاً بتكوين مجلس استشاري من بعض الدول ذات العلاقة بالقضية الليبية ومندوبين ن الأقاليم الثلاثة ( برقة – طرابلس – فزان ) وكذا أخر عن الجالية الإيطالية . 

بدأ المندوب والمجلس عملهما في ابريل 1950 ، وكانت الخطوة الأولى التي أنجزت في هذا السياق هي الاتفاق على تشكيل لجنة الـ 21 باختيار 7 من كل إقليم ، مهمتها وضع تصور لرؤية وطنية متكاملة للمستقبل ويصاغ بواسطتها دستور البلاد ويتقرر نظام الحكم وشكله ، وقر قرارها بعد عدة اجتماعات متواصلة في طرابلس على تشكيل جمعية وطنية تأسيسية من 60 عضو يمثلون السكان في الأقاليم الثلاثة بواقع 20 عن كل إقليم .

كانت لجنة الـ 21 في حقيقة الأمر وبعزوم رجالها الوطنيين هي ( الحجر الأساس للتطور الدستوري في ليبيا ) ، ونشأ عنها كما سلف تكوين جمعية الـ 60 التي تعتبر بداية الشروع في الحياة الدستورية والنيابية في ليبيا قبيل الاستقلال بفترة وجيزة منذ اول اجتماع لها في 25 نوفمبر 1951 بمدينة طرابلس و قد انجزت هذه الجمعية العديد من المهام في فترة وجيزة تلاحقت فيها الانفاس والجهود وحبات العرق والتضحيات فصممت العلم الوطني وبايعت الأمير ادريس ملكاً على ليبيا وكونت حكومة وطنية مؤقتة لتصريف الأعمال واستلام السلطات ونقل الاختصاصات من الادارتين البريطانية والفرنسية ، وتوجت اعمالها بإصدار الدستور الليبي يوم 7 أكتوبر 1951 في اجتماعها التاريخي في مدينة بنغازي ، ثم وضعت قانون الانتخابات الاتحادي لتشكيل مجلس النواب .

كان ذلك نضالاً صعباً وسط ظروف وصراعات واطماع لاتنتهي كادت تودي بالبلاد الى الوصاية او الانفصال او الاحتلال من جديد .. او في أسوأ الأحوال الى تأخير موعد الاستقلال لسنوات قادمات غير معروفة الاجل ، وكانت خطوات الجمعية لوضع الدستور موفقة جداً فلقد شكلت لجنة لصياغته واعداده ضمت 18 عضو ن واختارت تلك اللجنة من بينها لجنة مصغرة من 6 أعضاء عرفت بلجنة العمل انيط بها وضع مسودته وعرضها فصلاً فصلا على لجنة الدستور ومن ثم على كامل الجمعية ، واستفادت من الدساتير الاتحادية الفيدرالية واعتمدت كثيراً على دستوري الهند وبورما بحسب افادة سكرتيرها السيد منير برشان (1) ، وساعد هذه اللجنة في اعمالها كل من السيدين : عوني الدجاني المستشار القانوني للملك ادريس والدكتور عمر لطفي المستشار القانوني للسيد ادريان بلت وعضو مجلس الدولة المصري ، والواقعفان لجنة الدستور لم تكن ( صناعة اجنبية ) وبذلت جهوداً شاقةً في اجتماعاتها بالنقاش والتداول حتى وصلت الى صياغة موفقة لدستور وطني من ارقى الدساتير في العالم ، ولمن ان يريد ان يقف على ذلك ان يعود الى محاضر تلك الاجتماعات ليكتشف تلك الجهود المضنية .

أكد الدستور الليبي بأن الحكم في ليبيا ( ملكي وراثي ) وشكله ( اتحادي – الغي بتعديل 1963 ) ، ونظام الدولة ( نيابي ) ، وحدد الحقوق والواجبات العلاقة بين السلطات ( التشريعية – التنفيذية – القضائية ) ، وغير ذلك ، وتبعاً لمواد الدستور يتألف مجلس الأمة من مجلس شيوخ حدد أعضائه بأربع وعشرين عضواً لمدة اربع سنوات ، انتخاباً من المجالس التشريعية في الولايات الثلاث وتعييناً لبعضهم من قبل الملك الذي يعين ايضاً رئيسه لمدة سنتين ، ومن مجلس نواب بواقع نائب عن كل عشرين ألف نسمة من السكان وفقاً لقانون الانتخاب ومدة عضويته اربع سنوات مالم يتم حل المجلس بمرسوم ملكي .

اول برلمان ليبي بعد الاستقلال :

أجريت الانتخابات الأولى في 19 فبراير 1952 . وظهرت النتائج بانتخاب ( 35 عضوا ) من طرابلس ، (15 عضوا ) من برقة ، و ( 5 أعضاء ) من فزان ، وعقد اول اجتماع للهيئة النيابية في مدينة بنغازي يوم 25 مارس 1952 بحضور الملك ادريس الذي أدى القسم الدستوري امام البرلمان واستمع وهو جالس كرسي العرش الجديد الذي صنع خصيصا في فرنسا على الطراز النابليوني الى رئيس حكومته السيد محمود المنتصر وهو يلقي خطاب العرش امام النواب والشيوخ ورجال الدولة والسفراء والضيوف الأجانب ن فيما أدى لاحقاً الأعضاء القسم الدستوري ايضاً في جلسة موالية ، وعين الملك السيد عمر باشا الكيخيا اول رئيس لمجلس الشيوخ واختار مجلس النواب عن طريق الاقتراع السيد عبدالمجيد كعبار اول رئيس له ، وعمل البرلمان على تنظيم اموره وتكوين اداراته وشعبه واستفاد من أنظمة بعض البرلمانات العربية وفي مقدمتها مصر ، وارسل كل من رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب في أمريكا ( مطارق ) الى نظيريهما في ليبيا لتنظيم الجلسات ، ودامت الدورة الأولى للمجلس خمسة اشهر حتى أغسطس 1952 اصدر خلالها قانون الميزانية العامة 52/ 53 ، وقانون شعار المملكة الليبية المتحدة وقانون اللغة العربية وفقاً للمادة 186 من الدستور وقانون المحاماة وقانون استثمار الثروات المادية وقانون حيازة الأجانب للأملاك غير المنقولة في ليبيا وقانون توفير التعليم في ليبيا وقانون مرتبات الوزراء و مكافآت أعضاء مجلس الأمة وقانون تحديد السنة المالية للدولة .. وقد حظيت هذه القوانين بمصادقة الملك عليها .

السيد هنري سيرانوفيلار(2) كان اول سفير لأمريكا في ليبيا بعد الاستقلال وهو الذي قام بتقديم المطارق الى رئيسي المجلس ، قال في مذكراته عن البرلمان الجديد : ( على خلفية خط افق مدينة بنغازي المتشظي وفي فصل الربيع المشرق من 1952 .. كانت ترفرف رايةً غير معتادة في سماء الرايات الوطنية . نجمة وهلال على خلفية من الخطوط الحمراء والسوداء والخضراء ، لقد أعلنت راية ليبيا عن ميلاد هيئة ديمقراطية جديدة ) ، مشيرا الى ان هذا البرلمان : ( حقق تقدماً مذهلاً حالما ترك وحده في تعلم قوانين اللعبة ، وتمكن نواب الشعب المنتخبين في حينه ، من تحصيل المهارة بالممارسة ومن خلال مايتمتعون به من حس بالقيادة السياسية ، سرعان ماسيطر هؤلاء النواب على المناقشات في مجلس النواب لأن موهبة الخطابة لدى بعض المتحدثين العرب شيء جميل ، وسرعان ما وجد أعضاء مجلس الوزراء انهم كانوا مسؤولين امام الشعب وعليهم ان يتحملوا مسؤولية أعمالهم ، استخدمت النقاط التنظيمية وجدولة المداخلات واعمال اللجان لشكل مقبول الى حين افسحت الخطوات المترنحة امام خطوات اكثر رشاقة ، وتقنيات افضل ، وزيادة تدريجية في درجة الإنجاز ) .

لقد دامت الدورات التشريعية للبرلمان الليبي 4 دورات حتى عام 1969 وكان من المفترض ان تجرى الانتخابات لتبدأ دورة خامسة في الحياة النيابية الليبية .. لكن الانقلاب في سبتمبر .. ضيّع الحلم وادخل البلاد كلها في مرحلة عطل فيها الدستور .. ومحا من الذاكرة الليبية الوطنية كل شيء جميل !!

—————-

1- منير يرشان ، الحياة النيابية في ليبيا ، مجلة القلم الجديد . عمان أغسطس 1953

2- هنري سيرانوفيلار ، ليبيا .. المملكة العربية الجديدة في شمال افريقيا . ترجمة عثمان الجبالي المثلوثي ، دار المدى للخدمات الإعلامية . طرابلس 2013 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: