محمد السعيد أدريس : ليبيا . . هل الحل في تدخل دولي جديد؟ محمد السعيد أدريس : ليبيا . . هل الحل في تدخل دولي جديد؟

ثلاثة أعوام كاملة مضت على تفجر انتفاضة الشعب الليبي ضد نظام العقيد معمر القذافي في يوم 17 فبراير/ شباط 2011 بعد مرور خمسة أيام فقط على سقوط نظام حسني مبارك في مصر يوم 11 فبراير ،2011 لكن الاستقرار خاصم الليبيين وهجرهم الأمن دون مقارنة بالطبع مع التجربة السورية الدامية .

قد لا نكون الآن في معرض التقييم المقارن لتجارب موجة “الثورات العربية” وقد لا نكون في معرض المحاسبة بأثر رجعي لما تعرضت له بلدان الانتفاضات العربية من مآسٍ وسلبيات .

التعميم هنا هو الخطأ بعينه، فكل دولة كانت لها ظروفها، قد تتشابه الحالة المصرية مع الحالة التونسية في وجود تراكم على مدى سنوات طويلة من موجات الاحتجاجات والانتفاضات التي خرجت بين مطلبي العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد، وفي وجود بنية قوية من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية التي وفرت فرص خلق قدرة شعبية على كسر حاجز الخوف في مواجهة بطش النظام الحاكم واستبداده، إضافة إلى امتداد الشعور باليأس والظلم إلى عصب مؤسسات الاستبداد ذاتها، وإلى دخول النظام الحاكم مرحلة “الشيخوخة السياسية” وظهور معالم السقوط واضحة أمام أعين القوى المعارضة، وكانت الأمور في حاجة فقط إلى لحظة المبادأة للانفجار الشعبي في وجه النظام والدعوى لإسقاطه .

ربما تقترب التجربة اليمنية بدرجة ما إلى هاتين التجربتين في مصر وتونس كما أنها تقترب أيضاً في محدودية أو بالأحرى عدم غلبة العوامل الخارجية على العوامل الداخلية في هذه النماذج الثلاثة: تونس ثم مصر ثم اليمن عكس النموذجين الليبي والسوري الذي يدرك القاصي والداني أن العامل الخارجي كان هو الأساس في تحويل الاحتجاجات المحدودة، والمطالب الإصلاحية المشروعة إلى انتفاضات عنيفة وتدخلات عسكرية خارجية بشكل مباشر في الحالة الليبية وبشكل غير مباشر في الحالة السورية .

لم تكن الاحتجاجات التي خرجت في ليبيا وسوريا مطالبة بالإصلاح مشابهة بأي حال من الأحوال لما حدث في الحالتين التونسية والمصرية، ولم يكن قد توفر إرث نضالي شعبي ضد النظام، ولم تكن في ليبيا أو سوريا أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أو حركات احتجاجية تطالب بالإصلاح وبالتغيير الجذري .

لكن كان التدخل الخارجي وحرص هذا التدخل على تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى ثورات وعنف مسلح هو العنصر الأساسي والحاسم في مسار تطور الحالتين الليبية والسورية وسيكون له الدور الحاسم في الحل .

هذا العامل أثبت فعاليته ونجاحه في الحالة الليبية بإسقاط نظام القذافي وجيشه ومؤسساته الهشة، لكن من الصعب القول إنه نجح في إسقاط نظام وبناء نظام آخر بديل أكثر عدالة وديمقراطية . هنا بالتحديد يمكن استرجاع الخبرة السلبية المكتسبة من فشل التدخل الخارجي في بناء نظام أفضل بديل في العراق وإسقاط ذلك على مستقبل الحالة السورية من ناحية وعلى الواقع المؤلم للحالة الليبية من ناحية أخرى .

فالحالة الليبية تعاني، كما عانى العراق على مدى عشر سنوات مضت من عمر غزوه واحتلاله عام ،2003 من غياب الإجماع على مشروع وطني يحقق الشراكة الوطنية الجامعة، ويؤسس نظاماً أكثر عدالة وديمقراطية واستقراراً يقوم على قاعدة المواطنة المتساوية وعلى قاعدة الفرص المتكافئة لكل أبناء الوطن . فالجيش في ليبيا ليس له وجود مقارنة بقوة الميليشيات المسلحة التي نهبت الترسانة العسكرية للجيش الليبي عقب انهياره تحت ضربات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقبله ضربات سلاح الجو الأمريكي والفرنسي . والحكومة في ليبيا ضعيفة بعد تصفية الجهاز الإداري وتشتته جهوياً وقبلياً، وظهور خطر التقسيم والانفصال الذي يطارد استقرار الحكم المركزي في العاصمة طرابلس .

فحتى الآن لم تستطع فترتان انتقاليتان تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب . فالمؤتمر الوطني العام الذي انتخب في يوليو/ تموز عام 2012 بناء على الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس/ آب 2011 انتهت مدة ولايته من دون أن ينفذ خريطة الطريق التي أوكلت إليه، وفي القلب منها مشروع الدستور . كان ذلك الإعلان الدستوري ينص على خريطة طريق تتضمن تأسيس مؤتمر وطني منتخب يعد بمثابة برلمان للثورة، وانتخاب هيئة تأسيسية للدستور (لجنة صياغة الدستور) ووضع قانون الانتخابات، وكان من المفترض أن ينتهي المؤتمر الوطني العام من إنجاز هذه المهام في مدة أقصاها 18 شهراً تنتهي يوم 7 فبراير/ شباط الجاري، ونظراً لأن المؤتمر لم يستطع إنجاز أي من هذه المهام فقد بادر يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول 2013 بوضع خريطة طريق جديدة تنص على تمديد ولايته لمدة عام تنتهي في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2014 .

إعلان خريطة الطريق الثانية هذه فجرت مظاهرات حاشدة في العديد من المدن الليبية يوم الجمعة (7 فبراير/ شباط الجاري) خاصة في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي عاصمة الإقليم الشرقي، أما مدينة سبها عاصمة إقليم الجنوب (فزان) فكانت تموج بمواجهات عسكرية دامية كادت أن تحرك الجيش الفرنسي مرة أخرى للتدخل لمواجهة ما أسماه لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي “خطر الإرهاب” .

التحركات الشعبية الرافضة للتمديد عاماً كاملاً للمؤتمر الوطني تدعمت بحدوث انشقاقات وانقسامات داخل المؤتمر بين مؤيد للتمديد ورافض له تجاوباً مع المطالب الشعبية، لكن الأهم هو الانقسامات والخلافات داخل الكتل البرلمانية نفسها، حيث ندد أعضاء في المؤتمر العام بضغوط تمارس عليهم من كتلهم النيابية للانسحاب من المؤتمر وتهديدهم بالقتل إن هم تجرأوا بالذهاب إلى مقره على نحو ما جاء على لسان عمر حميدان عضو “التحالف الوطني” .

التهديد الأهم يأتي من الجنوب ومن عاصمته سبها حيث شهدت مواجهات دامية أدت إلى سقوط ما يقرب من 90 قتيلاً ومئات الجرحى، اختلف على توصيفها بين من يقول إنها بدأت بين عناصر من قبائل أولاد سليمان العربية وعناصر من قبائل التبو المنحدرة من إفريقيا جنوب الصحراء والتي تتنقل بين ليبيا وتشاد والنيجر وتزعم أنها تتعرض للتهميش في المجتمع الليبي، وبين من يقول إنها كانت بين خلايا نائمة تابعة لنظام العقيد القذافي وميليشيات شعبية مدعومة بقوات من الجيش، ما أدى برئيس الحكومة علي زيدان إلى إعلان النفير العام، الأمر الذي أثار استياء الكثيرين، لكن الخطر تفاقم بعد نجاح العناصر التابعة لنظام القذافي في احتلال قاعدة “منهنت” الجوية، في محاولة للسيطرة على سبها وإقليم الجنوب . وتفاقم الأمر بامتداد الاضطرابات العسكرية إلى منطقة “رشفانة” غرب طرابلس التي تعتبر من معاقل أنصار القذافي وهو ما دفع رئيس الأركان الفرنسي الأميرال “ادوار غييو” للإعلان عن تفضيله لعملية دولية لمواجهة تلك الاضطرابات، والذي برر ذلك بغياب سلطة مركزية قوية في طرابلس، وزاد في قوله بأن “فرنسا لا تريد أن تتحول هذه المنطقة إلى معقل جديد للإرهاب” .

عنوان “الإرهاب” ورد أيضاً على لسان لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي، الذي قال إنه اتصل برئيس وزراء ليبيا ليستطلع رأيه في أمر هذا التدخل، لكن الملفت في كلام فابيوس أنه يرى أن التدخل يجب ألا يكون فرنسياً محضاً بل دولياً وإقليمياً وعربياً على الأخص، حيث أوضح “حين أقول “نحن”، فإن الأمر لا يعني فقط الفرنسيين، وإنما يعني البريطانيين والجزائريين والتونسيين والمصريين والأمريكيين، وعدة جهات أخرى، الألمان أيضاً .

هكذا، كان التدخل الخارجي بداية أزمة ليبيا، فهل يمكن أن يكون خاتمتها؟ أم أنه إذا حدث سيفتح الأبواب أمام كوارث جديدة؟ السؤال مهم .

نقلا عن صحيفة الخليج

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: