نوري رمضان الكيخيا: ليبيا اليوم.. ودستور1951…؟!

nouri_alkikhia105

عندما نجح الرعيل الأول من الآباء المؤسيسين لدولة ليبيا الحديثة في إنتزاع إستقلالها من مخالب دول الحلفاء بعيد إنتصارها في الحرب العالمية الثانية على دول المحور، وعندما صوتت أغلبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إستقلال ليبيا..جاء قرارها مطابقا لتطلعات الشعب الليبي ورغبته في إقامة دولة ديمقراطية..بعد معانته من أثار ألإستعمار الفاشي الإيطالي.

وعلى أثر قرارألأمم المتحدة، تشكلت في ليبيا هيئة دستورية عرفت باسم لجنة الستين.. عشرون ممثلا عن كل ولاية (طرابلس وبرقه وفزان)، وهي الجمعية التأسيسية التي قامت بصياغة الدستور ثم إصداره في اليوم السابع من شهر أكتوبر1951… أي قبل إعلان ألإستقلال في 24 ديسمبر1951 بشهرين.. من هنا تأتي ألأهمية التاريخية لدستور1951، حيث جاء مؤسسا لدولة ليبيا الحديثة.. دولة الإستقلال، فبموجب هذا الدستور تحدد شكل الدولة ونظامها السياسي.. وبناء على ذلك استقلت ليبيا تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، حيث قامت الجمعية التأسيسية بموجب السلطات الممنوحة لها من قبل الأقاليم الثلاثة، بإعلان ألأمير محمد إدريس المهدي السنوسي، ملكا دستوريا على ليبيا.

إن الدماء الطاهرة التي سالت غزيرة على تراب ليبيا من أقصاها إلى أقصاها، لم يضحي أصحابها من أجل أن تسرق ثورتهم وبكل تأكيد لم يضحوا من أجل اللصوص والمتسلقين الذين استباحوا ثروات ليبيا ونهبوا وينهبون خيراتها.  وخاصة من يدعون زورا وبهتانا أنهم يمثلون مصالح الشعب الليبي، وهم في الحقيقة على طرفي نقيض مع مصالح الشعب. فليس بالتطاول على إختصاصات السلطات المختلفة تمثل مصالح الشعب، وليس بإحتكار السلطة التشريعية وتغولها على حساب سلطات أخرى. لقد تم التطاول على إختصاصات السلطة القضائية، كما حجم نسبيا دور السلطة التنفيذية… وهناك محاولات للحد من فاعلية السلطة ألإعلامية التي من حين إلى آخر تسلط أضوائها على بعض الممارسات الملتوية داخل المؤتمر وكأنها تذكر بمؤتمر الشعب العام.

إن مصالح الشعب تتلخص في كلمات “مفاتيح” ثلاثة، وهي بناء وطن “يطعم ويعالج ويثقف..” وحتى تكون هذه الكلمات حقيقة مجسدة على أرض الواقع، لابد من عودة الوطن إلى أهله، ولا أن يكون مخطوفا رهينة في أيدي مافيات السلاح وأمراء الحرب وعصابات الإجرام المنحرفة…كما لا يجوز للوافدين الجدد على الحكم أن يسعوا لتكوين مليشياتهم الخاصة لحماية مصالحهم الشخصية.

فالعلاقة التي تنشأ بين المواطن ووطنه هي علاقة جدلية، تتلخص فى أن يجد المواطن في ربوع وطنه..أمنه وأمانه، كما يجد أن حقوقه كإنسان محفوظه ومصانه…فهذا حق من أبسط حقوقه في وطنه الذي يرعى له مواطنته.. وبالمقابل فإن على المواطن أن يقوم بواجباته نحو وطنه ابتداء من التضحية بالنفس والنفيس، دفاعا عن أرض الوطن ووحدة ترابه.. وحمايته من محاولات الهيمنة الأجنبية وعدم المساس بسيادته الوطنية.. وهكذا يجب أن تؤخذ هذه العلاقة الجدلية بعين الإعتبار.

لقد أكد دستور 1951 هذه العلاقة الجدلية بين المواطن الليبي ووطنه، وذلك عندما أكد على احترام مواطنته وما تتطلبه تلك المواطنة من صون وحماية.

إن ليبيا اليوم هي في حاجة ماسة وملحة للخروج من محنتها، وتضميد جراحها، وتعود إلى كامل عافيتها.. حتى تتمكن حكومتها من إنجاز برامجها.. في إطار من الشرعية الدستورية.. ويكون من الحكمة بالتالي تبني وثيقة دستور 1951، بعد إجراء التعديلات اللازمة عليه وطرحه للإستفتاء.

أما العمل بموجب (إعلان دستوري) سيء الصيت، فهو استهتار بدماء الشهداء وهو العمل بهدف إفراغ ثورة 17 فبراير من محتواها.. فهي ثورة كرامة لا ثورة جياع وهي ثورة شعب لا ثورة نخبة… إن ليبيا التي يمتد تاريخها إلى ما قبل التاريخ، قادرة اليوم بفضل المخلصين من أبنائها أن تخرج من محنتها وتعود تلك الفتية التي أبهرت العالم في بداية استقلالها والذي لم يدم بكل أسف طويلا من العام 1951 وحتى العام 1969.

وبناء على ما سبق، فإن ثورة 17 فبراير مطالبة الآن بضرورة تصحيح المسار، والحد من تلك الممارسات الإنتهازية وإلزام الجميع بإحترام إرادة ليبيا وعقول مواطنيها وضرورة الكف عن ممارسة (العطايا والهبات والمنح) التي سبق للطاغية ممارستها، فممارسة الرشوة مع شباب الثورة، هي في الواقع محاولة سيئة لتحويلهم من ثوار أنقياء إلى مرتزقة مأجورين.

إن منطق ألأشياء يقول أن حل أزمة المجتمع الليبي لا تتأتى باستخدام المسكنات وعقاقير التنويم.. بل بتقديم حلول جذرية وسريعة، إبتداء من ضرورة حل أزمة البطالة وتوفير فرص عمل متنوعة للشباب على وجه الخصوص والعاطلين عن العمل عموما. فكل حسب ميوله وقدراته. وبحل أزمة البطالة، يتزامن معها بالضرورة حل أزمة العلاج على كامل التراب الوطني..وذلك بتوفيرالمستشفيات والعيادات العامة والخاصة، وتوفير العناصر المتعلمة والمدربة في جميع المجالات مع توفير المعدات اللازمة لقطاع الصحة وتشديد الرقابة الصحية والتركيز على قطاع الطب الوقائي وكذلك مراكز البحوث الطبية والعلاجية. ومما لاشك فيه أن ليبيا قادرة على توفير تلك الإحتياجات وتحقيق تلك المطالب.

وللحقيقة والتاريخ، لقد أكد دستور 1951 على أن كافة الليبيين متساوين أمام القانون، فكانت البعثات الدراسية إلى مصر ثم بعد ذلك إلى دول أوربا وأمريكا مكفولة لكل الليبيين بدون أي نوع من المحاباة أوالتفرقة بين الطلاب بغض النظر عن أصولهم ألإجتماعية أو العرقية..وبالتالي اعتبر قطاع التعليم أكبر إنجازات دولة الإستقلال، فكانت عودة الخريجين الأوائل لأرض الوطن بمثابة الجائزة الكبرى لسياسة التعليم في ليبيا آنذاك.

على ليبيا اليوم أن تأخذ مستقبل الأجيال الصغيرة بيدها وألا تترك للعابثين مجالا لإهدار الطاقات وتخريب التعليم، وتتبنى سياسة التعليم المبكر والإلزامي ابتداء من رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية مع التأكيد على مجانية التعليم.. وإدخال التدريب المهني في المرحلة الثانوية، والتأكيد على حرمة الجامعة وتشجيع مراكز البحث العلمي في جميع التخصصات.. وهكذا عندما يصلح التعليم تصلح معه العديد من القطاعات وخاصة في مجال انتشار الثقافة وتوسيع ضفافها لكي يصبح المجتمع بواسطتها متقدما معطاءا تنطلق فيه روح الخلق والإبداع.

وبالله التوفيق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: