المهدي يوسف كاجيجي: جبل الكراهية

جبل الكراهية

ثقافة التحقير

عقد اول مؤتمر صحفى عالمى لقائد انقلاب سبتمبر العقيد معمر القذافى فى مبنى مجلس النواب فى مدينة طرابلس، وكان يقع خلف مبنى البلدية الكائن بميدان الجزائر، والذى تمت إزالته ضمن عدد من المباني التاريخية منها وزارة الخارجية وغيرها تنفيذا لمخطط مسح للذاكرة الوطنية، كانت الصحافة الوطنية تعيش مرحلة تجاهل من الحكام الجدد وكنا نستقي الأخبار الليبية من الصحافة الأجنبية وخاصة وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية ، كان المؤتمر اول ظهور اعلامى لقائد الانقلاب الجديد.

طرح سؤال من قبل الاستاذ عبدالقادر ابوهروس رحمه الله وهوالناشر ورئيس تحرير جريدة الرائد، وهى احدى الصحف اليومية المشهورة وقتها، فلم يجب العقيد على السؤال ولكن جرى الحوار التالي:

– من انت؟
– عبدالقادر ابوهروس
– اين تعمل؟
– رئيس تحرير جريدة الرائد
– اين تصدر؟

ارتبك الرجل الخلوق، وانطلقت همهمة استغراب فى القاعة، كان بجوارى الزميل محمد ساسى ابوعون، فهمس فى آذنى “اجمع أوراقك واصمت، هذا الرجل حاقد ومريض ..يهدف الى تحقير الرموز الليبية”.

انعقد مرة اخرى لقاء للعقيد مع مجموعة من الأدباء والكتاب، وجه القذافى سؤالا تهكميا لأستاذنا الأديب عبدالله القويرى رحمه الله قائلا له: استاذ عبدالله انت ليبى ام مصرى؟! فأجاب الاستاذ عبدالله وبحدة: يا ليتنى كنت مصريا.. يا سيدى صدقنى لوبقيت فى شارع الأزهر، وعملت مصححا لغويا فى احدى دور النشر هناك، لكان لى شان اخر.

القذافى صناعة ليبية

الاستاذ على المريض كان من أوائل خريجى كلية الاقتصاد، الجامعة الليبية بنغازى ،يشهد معاصروه وزملائه بذكائه الشديد ونبوغه، تقلد الرجل كثير من الوظائف العامة اضافة الى التحاقه فى دورات تحضيرية لعدد من الجامعات العالمية من أشهرها هارفرد الامريكية، كان مولعا بعلم الاحتمالات وله تنبؤات كنا نعتبرها وقتها تخريفا ومبالغة وان تحقق معظمها، من اهم هذه التنبؤات ضرورة ان يشترى كل ليبي قطعة سلاح يحتفظ بها فى بيته لان النتاج النهائى لفكر النظام العسكرى القائم هوالفوضى الشاملة والحرب الأهلية، كان ذلك فى نهاية السبعينات من القرن الماضى، وكان من اهم تحليلاته، رفضه ان القذافى حالة مرضية شاذة دخيلة على المجتمع مؤكدا ان القذافى صناعة ليبية نتاج لثقافة اجتماعية، كان يقول بالحرف الواحد: (القذافى هوتقيؤ لما هوموجود بداخلنا نرفض تصديقه).

محاولة فهم للشخصية الليبية

فى محاولة خجولة قامت مجموعة من الأساتذة الليبين أطلقوا على أنفسهم “الاستشاريون” بوضع دراسة عاجلة فى محاولة لتحليل وفهم الشخصية الليبية وعلاقتها ببناء المجتمع الحديث فى القرن الحادى والعشرين انقل لكم ملخص لأهم ما جاء فيها:

– التراث الاجتماعي والثقافى الليبى هومزيج من ثقافات وحضارات قديمة اتسمت بكثير من أوجه الصراع، فكونت شخصية ينقصها الكثير من مشاعر الاستقرار والثقة بالمستقبل.

– الليبى شخصية مليئة بالتناقض الاجتماعي والنفسى والثقافى، يتطلع الى التقدم المادى والتقنى ومحاولة استهلاكه، فى ذات الوقت يحافظ على أنماط التفكير التقليدية وهذا ما يحرمه من قدرات الحوار والتفاعل بإيجابية مع الاخر.

– الانسان الليبى يعانى من علاقة غير متوازنة مع الزمن، فمن جهة يريد الحصول على كل الأشياء التى يطلبها وفى الحال، ومن جهة اخرى قد يضيع الوقت بشكل لا نهائي دون النظر فى التبعات.

– عدم قبوله للآخر، والنظر اليه بريبة وشك يسيطر عليه نظرية المؤامرة، وتصنيف الاخر “هل معنا ام ضدنا” والاحتكام الى العنف.

– ثقافة الحوار ضعيفة وثقافة الاختلاف تكاد تكون معدومة، انت معى اوضدى.

جبل الكراهية

الاستاذ عبد الحميد البكوش، المحامي والسياسى والشاعر، رحمه الله، كانت له تجربة طويلة فى العمل العام، كان وزيرا للعدل ورئيسا للحكومة، وسفير ليبيا لدى فرنسا، ومعارضا سياسيا شرسا طارده النظام وتعرض لأكثر من محاولة للتصفيته منها ما عرض على شاشات التلفزيون، مات غريبا فى منفاه ودفن فى دولة الإمارات العربية، كانت له مقولة شهيرة (الليبى لديه استعداد ان يكره الليبى.. حتى ولوبالطلوق) اى بالدين.

تذكرت ذلك وانا استعرض المشهد الليبى الحالى، واتابع المقابلات التلفزيونية والكتابات على صفحات التواصل الاجتماعي، فاكتشفت ان درجة الكراهية والتحقير لبعضنا البعض تعدت كل ما هومسموح به تبعا لقواعد الأخلاق والشرع  والقانون، اضافة الى الصراع المسلح ألذى فقد كل معايير الأخلاق ومزق النسيج الاجتماعي  المتداخل المتماسك عبر كل الحقب التاريخية الطويلة، ضاربا بعرض الحائط  بكل الثوابت التى توارثناها تاركا خلفه دمارا هائلا وكومة من الخراب ستعشعش فى نفوسنا لزمن طويل، ستدفع ضريبته  اجيال قادمة لا ذنب لها.

أيها السادة الكراهية تأكل صاحبها، وتحقير الرموز الوطنية توظيفا لمعارك سياسية هوفى الواقع تحقير للذات، الوطن ميراث يورث ويورث، عبر الأجيال المتعاقبة، تحت مظلة العدل والمواطنة، حتى يرث الله الارض وما عليها، والنظر للوطن بعين الغنيمة، هى عين عمياء فقدت البصر والبصيرة، وان العائد منها ولوكان كنوز الدنيا لن يكفى لشراء ذرة رمل واحدة من وطن لواستمر الحال لن يبقى منه الا الخراب. وليرحمنا الله مما هوقادم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: